اعلانك هنا يعني الانتشار

أعلن معنا
الرأي

السودان: استقلالٌ مفقود وكرامةٌ مُهدَرة..!

د.  فيصل عوض حسن

كلمة استقلال تعني تمتُّع الدولة بحُرِّيَّة قرارها بعيداً عن سيطرة أي جهاتٍ خارجيَّة، سواء كانت دول أو تكتُّلات أو مُؤسَّسات/مُنظَّمات، استناداً للأعراف والمواثيق الدوليَّة المُعتمدة. كما تعني كلمة الاستقلال امتلاك الدولة لسُلطاتٍ داخليَّةٍ مُطلقة على الأرض والأفراد والجماعات، وفق تشريعات وقوانين يلتزم بها الجميع، دون استثناء، بما في ذلك القائمين على إدارة شؤون البلاد. وكذلك تعني تسيير البلد (ذاتياً) دون الخضوع للغير، وحفظ الموارد وإدارتها بأمثل الطرق، وضمان أمن وكرامة المُواطنين واحترام آدميتهم.

المضامين المُشار إليها أعلاه لا تتوفَّر في سوداننا الحالي على الإطلاق، بسبب مجموعة من العوامل والتحديات، لعلَّ أبرزها احتلال أجزاء واسعة من البلاد، سواء كان الاحتلال بالسلاح/القُوَّة أو بسبب المال، ومن ذلك على سبيل المثال، الاحتلال المصري لمثلث حلايب وغالِبية الأراضي النوبية وبعض شمال دارفور، بجانب امتلاك المصريين لمليون فَدَّان بالشِمالِيَّة (مشروع الكنانة)، وعبثهم بمياهنا الإقليميَّة في البحر الأحمر، وابتلاعهم لثرواتنا الزراعِيَّة (النباتية والحيوانِية) بأبخس الأثمان، دون مردود إيجابي معلوم و(مُوثَّق). وهناك الاحتلال الإثيوبي الذي بدأ بابتلاع أراضي الفشقة منذ سنة 1995، وامتدَّ ليشمل إقامة قُرىً كاملةً بمَحْمِيَّة الدِنْدِرْ، مع استمرار مليشياتهم في قتل وتشريد المُواطنين السُّودانيين، ونهب أراضيهم وثرواتهم الزراعيَّة والحيوانِيَّة. وبالنسبة للاحتلال بِغَلَبَةِ المال، فتُوجد مساحات شاسعة منحها المتأسلمون، للإمارات وتركيا والصين وروسيا والسعوديَّة، بما في ذلك موانئنا البحرية (ميناء بورتسودان + ميناء سَوَاكِن). المُؤسف والمُرعب في آنٍ واحد، أنَّ جميع هذه الدول باتت تتحكَّم في السُّودان، عبر عُملائهم الدَّاخليين وعلى رأسهم البرهان الذليل والمُرتزق حميدتي ورفقائهم، وأزلامهم وآكلي فتاتهم من القحتيين أو (المقاطيع) القادمين عبر اتفاقِيَّات جوبا الكارِثِيَّة، وهي حقائق مُعاشة نحياها جميعاً وتثبت (عدم استقلالنا) وحاجتنا للحرية والكرامة/السيادة الوطنية.

يُعاني السُّودانيُّون من غياب الأمن والسلام، والذي ينبغي أن يشمل ضحايا الإبادة الجماعِيَّة والتشريد والاغتصاب، وضحايا القمعِ والإعتقالات والإفقار والتجهيل، والذين نُزِعَت أملاكهم (أراضي/أموال) والممنوعين من العمل وغيرهم، فهؤلاء جميعاً يحتاجون لتطييب النفوس وجَبْرِ الخواطر، من خلال مُحاسبة/مُحاكمة الذين آذوهم دون استثناءٍ أو مُجاملة! ولو أخذنا دارفور كمثال، فإنَّ السلامَ يُحتِّم (تأمين/حِمَاية) المُواطنين العُزَّل، وإعادة النَّازحين لمناطقهم وإرجاع أملاكهم بعد إخراج الوافدين المُتواجدين فيها، وتسليم البشير ورُفقائه فوراً للمحكمة الجِنائِيَّةِ، ومُحاسبة/مُحاكمة جميع نُوَّابه ومُساعديه والوُلاةِ والعسكريين، وكل من شارك في تلك الجرائم. وهذا يعني أنَّ البرهان والمُرتزق حِميدتي على رأس المُتَّهمين، وليس (رأس الدولة)! كما يتطلَّب السَّلام إنصاف المفصولين (تَعَسُّفياً) من العمل وتعويضهم، بجانب مُتضرِّري السدود بشرق وشمال السُّودان، ومشاريع الرهد والجزيرة والسُّوكي والنيل الأبيض والشماليَّة وكُرْدُفان، وأراضي بُرِّي وأُم دُوْم والجِرِيْف شرق وغرب والفِتِيْحَاب وغيرهم، حيث يتَحَتَّم إرجاع ممتلكاتهم إليهم فوراً، ومُحاكمة المُتواجدين فيها والمُنتفعين منها، فضلاً عن عَدَالَة المُشاركة في السُلطَة وتوزيع الثروة والتنمية المُتوازنة وغيرها من الأمور المعلومة. فالسَّلام (الحقيقي) يكون بإزالة المظالم والمَرارَات/الغبائن المُتراكمة لأصحاب (الوَجْعَة)، وإشباع رغباتهم (المشروعة) في القصاص من الظَلَمَة، وليس بتوزيع(العَطَايا) والمناصب على الانتهازيين وتُجَّار الحرب!

من مظاهر غياب الاستقلال أيضاً، تَغَيُّر التركيبة الديمُوغرافِيَّة للسودان، حيث مَنَحَ المُتأسلمون الجِنسيَّات والأوراق الثبوتِيَّة والأراضي والأموال لمجموعاتٍ أجنبيَّةٍ عديدة، خاصة بدارفور وشرق السودان. بعضُ أولئك (الوافدين/المُجنَّسين) تَقَلَّد مناصب حَسَّاسة بالدولة، وارتكب أبشع الجرائم ضد السُّودانيين والتي من أخطرها الاستقطاب في المليشيات على أُسُسٍ إثنِيَّة، مع ملاحظة أن (المُجَنَّسين) لا يحترمون السودان أو يحرصون على مصلحته وأمنه، وينعكس هذا الأمر في تآمرهم المُتزايد لبيع وإتاحة مُقدَّرات السودان للعالم الخارجي دون تَرَدُّد، لأنَّهم لا يشعرون بالانتماء لهذه البلاد، وولائهم المُطلق لبلادهم الأصيلة! ويُمكن القول، بأنَّ تغيير التركيبة السُكَّانِيَّة يُعدُّ من أبشع صور الاحتلال والانتقاص من الاستقلال والسيادة الوطنِيَّة، ويُحتِّم مُحاكمة المُشاركين في ذلك بتهمة “الخيانة العُظمى”.

من مهدِّدات الاستقلال تنامي الاصطفاف القَبَلي/الجِهَوِي وبلوغه حدود مُرعبة، رغم الارتباط الوجداني المُتجذِّر بين (عَامَّة) الشعب، سواء بسبب الزمالات الدِراسِيَّةِ/العَملِيَّةِ أو الجِيْرَةِ أو المُصَاهَرَاتِ المُفضِية لصلات الأرحام، لكن المُغامرين وتُجَّار الحرب ضَلَّلوا البُسطاء بـ(فِرْيَةِ) التهميش لتمزيق نسيجنا الاجتماعي، وأصفها بالفِرْيَة، لأنَّ العَدالَةِ القانونِيَّة والاجتماعِيَّة/الإنسانِيَّة، مفقودةٌ وغائبة عن جميع أرجاء البلاد دون استثناء. والأهمَّ من ذلك، أنَّ الانتهازيين وتُجَّار النِّضال، الذين يُشعلون نيران الجِهَوِيَّة والاصطفاف القَبَلي، يحيون مع أُسرهم/عائلاتهم في دَعَّةٍ ورَغَد، ولم ولن يدفعوا تكاليف فِتَنِهِمْ (الخبيثة)، التي يستخدمونها وفقاً لمصالحهم السُلْطَوِيَّة والمالِيَّة، ولقد رأيناهم يخونون أهلهم ورفقائهم ويتحالفون مع المُتأسلمين، وبعضهم تَغَزَّل في الجنجويد المُرتزقة والقَتَلة ومَدَحهُم بلا حياء، رغم تَدَثُّرهم بالنِّضالِ لأجلِ المُهَمَّشين (أكبر ضحايا المُتأسلمين والجنجويد)!

يعتبر التراجع الاقتصادي من نواقص استقلال السودان أيضاً، لأن الاقتصاد قد يُكرم الشعوب وقد ينال من كرامتها، وهذا يُفسِّر سعى المتأسلمون وأزلامهم من العَسْكَر/الجنجويد أو حمدوك وقحتيُّوه، حيث عملوا جميعاً لتدمير الاقتصاد السوداني بصورةٍ ممنهجة، سواء برهن وبيع الأراضي والمشروعات الناجحة، أو إغراقنا في المزيد من الديون، وتضليل البُسطاء/الغافلين بالانفراجات الاقتصاديَّة المُستندة على المِنَح/القروض (مُستحقَّة الدفع) سواء مالياً، أو من إرادتنا التي ما نزال نسعى لتحريرها. مع مُلاحظة أنَّ مشاكل السودان الاقتصادِيَّة بِنْيَوِيَّة/هيكليَّة، حيث تم تدمير جميع عناصر الإنتاج، وهذه حالة يستحيل مُعالجتها بأكاذيب إعفاء الديون أو رفع اسم السودان من قائمة الإرهاب، أو بالعلاقات المزعومة لهذا أو ذاك وغيرها من المَتَاهَات! هناك معضلة النُخَب المُتعلِّمة الذين تركوا أدوارهم الأصيلة في التوعية وقيادة التغيير الحقيقي، وأصبحوا (أسرى) للموصوفين بقَادَة للكيانات الطائفية أو العرقية، ويُقاتلون دفاعاً عنهم وعن أُسَرهِم أكثر من البلاد المُهدَّدة بالتلاشي، رغم فشل أولئك (الرموز) وتركيزهم الدائم والمُفرط على السُلطة والثروة و(توريثها) لأنجالهم! وبعضُ النُخَبْ انزوى بعيداً، وبعضهم شَارَكَ في تدمير البلاد، وقليلون فقط الصادقون لكنهم بلا أثر وبحاجة لجهود البقيَّة. وتتجسَّد أكبر (خيبات) النُخَبْ السُّودانية، في تساؤلهم المُخزي عن (البديل)، بما يعكس عجزهم وفشلهم في إخراج البلاد من القاع الذي بَلَغَته! أمَّا نحن عامَّةُ السُّودانيين، فغالبيتنا واقعٌ في فِخَاخِ (الإلهاء)، والانتماءات العرقِيَّة والجِهَوِيَّة و(تقديس) الأشخاص، وفشلنا في إدارة وتطوير حراكنا الشعبي الفريد وتحقيق غاياته النبيلة، وتركناه للمُغامرين والكاذبين الذين باعونا بأبخس الأثمان، ورغم هذا لم نتعظ إذ ما يزال بعضنا يتوق إليهم ويتفنَّن في إطلاق الألقاب والأوصاف الأسطورِيَّة عليهم، وبعضنا يكتفي بمُتابعة الدرامات والأزمات (المصنوعة) والتَنَدُّر فيها، ثُمَّ الاتكاء انتظاراً لدراما جديدة، بينما تزداد أوضاعنا سوءاً يوماً بعد يوم!

إن أوضاع السودان الحالية أخطر بكثير مما كانت عليه إبَّان الاستعمار (المُعْلَن)، حيث اختفت تماماً ملامح ومظاهر الدولة وتراجعت مكانتها وهيبتها داخلياً وخارجياً، مع تُخمة من النُخَب الفاسدة الساعية لتحقيق مصالحها المالِيَّة والسُلطَوِيَّة، والمُرْتِهِنة بالكامل للعالم الخارجي، سواء دول أو مُؤسَّسات، بما يضعها في خانة (العَمَالة المُمتازة)، مع تفشي الإفقار والتجهيل وغياب العدالة والتنمية وتَمزُّق النسيج الاجتماعي، وانحدار الأخلاق والسلوك وانعدام الشفافية واستشراء الفساد بكافة أشكاله، مع اختلال مضامين وجوهر غالِبِيَّة القوانين والتشريعات، وحصر تطبيقها على الشرائح الضعيفة أو الشرفاء الساعين للتغيير الحقيقي وغيرها من مظاهر التدهور.

هذه الأوضاع المُعقَّدة نتيجة تراكمية لتجاوُزات جميع الذين حكمونا منذ إعلان الاستقلال، وأسوأهم المُتأسلمين المُتحكِّمين في السودان الآن عبر أزلامهم البرهان ورُفقائه، من العُملاء والمُرتزقة المُختلفين عنا (أخلاقياً وجينياً)، وفعلوا بنا وببلادنا ما لم يفعله المُستعمر، ويجدون التأييد والدعم (المُعْلَن والمُسْتَتَر) من الطَّامعين الخارجيين، الساعِين لتحقيق مصالحهم فوق جماجمنا. ويُؤسفني القول بأننا، كشعب، نساعدهم بتفريطنا في حقوقنا واستدامتنا، و(إفراطنا) بالتعاطف معهم والدفاع عنهم، سواء لأسبابٍ عرقيةٍ أو طائفية أو اجتماعية. وبدلاً عن توجيه اللوم على الآخرين، علينا الاتحاد والعمل بجدِّيَّة وسرعة لإنقاذ ما تَبَقَّى من بلادنا وسيادتنا الوطنية، ولنبدأ بتصحيح مفاهيمنا عن (جوهر) ومضامين الاستقلال، وعدم (تقديس) الأفراد وإزاحة المُتخاذلين واختيار حكام وطنيين وشرفاء يعملون لمصلحة السودان، دون وصاية (داخلية أو خارجية)، وفق مبادئ الإدارة العلمية الرصينة.

نحن وحدنا المعنيُّون بتحرير بلادنا وفرض سيادتنا على كامل أراضينا، والتعامل بحزم مع الدول المُحتَلَّة باعتبارهم (أعداء) وليس (أشقَّاء)! وعلينا أن نعي بأنَّ استقلالنا الحقيقي يكون بتعزيز وحدتنا، والعمل على إيقاف تغيير تركيبتنا السُكَّأنِيَّة، والإسراع بإلغاء جميع الجنسيَّات والأرقام الوطنِيَّة الصادرة منذ 1989، وإخضاعها للمُراجعة ومُحاكمة جميع وزراء الدَّاخلِيَّة ومُدراء الشرطة ومُعاونيهم، وكل من يثبُت تَوَرُّطَه في هذه الجريمة، باعتبارها “خيانة عُظمى”، والعودة لقوانين الجنسيَّة التي كانت مُطَبَّقة سابقاً. نحن نحتاج أيضاً للصدق وإعْمَالِ الفكر والتخطيط السليم المدعوم بقُوَّة الإرادة لتحسين اقتصادنا المُتهالك، وإيقاف العبث بمُقدَّراتنا ومواردنا المُستباحة، بدلاً عن الأكاذيب/التضليل والتَوَرُّط في المزيد من القروض.

من الجيد أن نحتفي بالاستقلال ونسترجع سيرة أجدادنا وبطولاتهم التاريخية، ولكن الأوجب أن يرتقي احتفاءنا بالاستقلال لتحرير بلادنا

تحريراً حقيقياً، تأكيداً وإثباتاً للإرث الحضاري والأخلاقيٍ الذي تركه لنا الأجداد، وهذا ممكنُ جداً بقليلٍ من التخطيط والتنظيم والقيادة (الأخلاقيَّة) المتجردة والمخلصة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى