اعلانك هنا يعني الانتشار

أعلن معنا
الأخبارتقارير

المصالح أولاً… لماذا يتفق طرفا الحرب في السودان على ما يحمي نفوذهما ويفشلان في إيقاف القتال؟

تقرير : حمد الطاهر

 

رغم الجهود الدولية والضغوط المتزايدة على طرفي الحرب في السودان” الجيش السوداني وقوات الدعم ” لإقرار هدنة إنسانية إلا أن هذه الجهود تصتدم بحائط للتعنت والفشل من قبل الطرفين إلا أن التطورات الأخيرة في السودان تكشف عن مفارقة سياسية وعسكرية عميقة؛ فبينما نجح طرفا النزاع، الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، في إبرام تفاهمات غير معلنة لحماية منشآت حيوية مثل مطاري الخرطوم ونيالا، والتوصل إلى ترتيبات لتأمين حقل “هجليج” النفطي، ظلّ التوافق على هدنة إنسانية شاملة بعيد المنال، رغم ضغوط إقليمية ودولية مكثفة.

 

ووفقاً لمصادر مطلعة، جرى التوصل إلى تفاهمات غير رسمية تقضي بعدم استهداف مطاري الخرطوم ونيالا، بعد هجمات سابقة بطائرات مسيّرة ألحقت أضراراً بالبنية التحتية. وتقول المصادر إن هذه الترتيبات تمت بوساطات دولية، في سياق مساعٍ لتأمين الممرات الإنسانية وتقليل استهداف المنشآت المدنية، وهو ما انعكس في تراجع وتيرة القصف على المطارين خلال الفترة الماضية.

 

 

 

عقلانية المصالح 

 

وتعكس هذه التفاهمات المحدودة، التي جاءت بوساطات خارجية، ما يمكن وصفه بـ“عقلانية المصالح”، حيث يدرك الطرفان أن استهداف المطارات أو الحقول النفطية قد يترتب عليه كلفة سياسية واقتصادية عالية، بما في ذلك فقدان قنوات الإمداد، أو إثارة ردود فعل دولية أكثر صرامة. لذلك، كان من الممكن التوصل إلى خطوط حمراء غير معلنة تحمي هذه الأصول الحيوية.

المصالح أولاً… لماذا يتفق طرفا الحرب في السودان على ما يحمي نفوذهما ويفشلان في إيقاف القتال؟
المصالح أولاً… لماذا يتفق طرفا الحرب في السودان على ما يحمي نفوذهما ويفشلان في إيقاف القتال؟

وفي موازاة ذلك، برز نموذج آخر للتوافق في ملف النفط، حيث أعلنت سلطات جنوب السودان التوصل إلى اتفاق ثلاثي مع طرفي النزاع لتأمين حقل “هجليج”، أحد أهم الحقول النفطية في المنطقة. وبموجب الاتفاق، تتولى قوات جنوب السودان المسؤولية الأمنية للحقل، في خطوة تهدف إلى منع تدهور الأوضاع في منشأة تمثل شرياناً اقتصادياً حيوياً للبلدين.

 

 

 

ويعكس هذا الاتفاق إدراكاً مشتركاً لدى الأطراف المتحاربة لحساسية المنشآت النفطية، إذ أن أي تدمير واسع لها قد يؤدي إلى خسائر اقتصادية كارثية، ليس فقط للسودان، بل أيضاً لجنوب السودان الذي يعتمد بشكل شبه كامل على تصدير النفط عبر الأراضي السودانية.

 

 

 

ولكن هذه “العقلانية” نفسها تتلاشى عندما يتعلق الأمر بوقف إطلاق النار لأسباب إنسانية. فمحاولات فرض هدنة، سواء عبر ضغوط غربية أو مبادرات من دول الجوار، اصطدمت بجدار من الحسابات العسكرية والسياسية المعقدة.

 

 

 

انعدام الثقة

 

وترى أطراف الصراع أن أي هدنة إنسانية قد تمنح الطرف الآخر فرصة لإعادة التموضع وتعزيز قدراته. وقد تكررت تجارب سابقة لاتفاقات قصيرة انهارت سريعاً، ما عمّق حالة انعدام الثقة. وبذلك تحولت الهدنة، من منظور الطرفين، إلى مخاطرة عسكرية أكثر منها فرصة إنسانية.

 

المصالح أولاً… لماذا يتفق طرفا الحرب في السودان على ما يحمي نفوذهما ويفشلان في إيقاف القتال؟
المصالح أولاً… لماذا يتفق طرفا الحرب في السودان على ما يحمي نفوذهما ويفشلان في إيقاف القتال؟

 

غياب التنسيق 

 

بالرغم من دخول قوى غربية ودول إقليمية على خط الوساطة، فإن غياب تنسيق فعّال بينها أضعف الضغط الجماعي. فكل مبادرة تحمل تصوراً مختلفاً للحل، ما أتاح للأطراف المناورة بين المسارات المختلفة دون التزام حقيقي بأي منها.

 

 

 

تنازل مجاني 

 

 

 

وتُظهر المؤشرات الميدانية أن كلا الطرفين لا يزال يعتقد بإمكانية تحسين موقعه العسكري قبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات. هذه القناعة تجعل أي هدنة تبدو وكأنها “تنازل مجاني” في توقيت غير مناسب.

 

 

 

مصالح محدودة 

 

 

 

التفاهمات حول المطارات وحقول النفط تتعلق بمصالح محددة وواضحة يمكن ضبطها ومراقبتها، بينما تتطلب الهدنة الإنسانية التزاماً واسعاً يشمل جبهات متعددة وقوات غير منضبطة بالكامل، ما يزيد من صعوبة تنفيذها.

 

 

 

 الضغط الدولي

 

رغم التلويح بالعقوبات والضغوط الدبلوماسية، لم تصل الإجراءات الدولية إلى مستوى يغيّر حسابات الطرفين جذرياً. كما أن بعض القوى الإقليمية لا تزال تتبنى مواقف متباينة، ما يقلل من فعالية أي ضغط موحد.

 

 

 

وتعكس هذه المعادلة واقعاً مفاده أن الأطراف المتحاربة قادرة على الاتفاق عندما يتعلق الأمر بحماية “ما لا يمكن تعويضه” اقتصادياً أو لوجستياً، لكنها تتردد في اتخاذ خطوة نحو وقف شامل لإطلاق النار، لأن كلفة السلام—سياسياً وعسكرياً—لا تزال في نظرها أعلى من كلفة استمرار الحرب.

 

ورغم هذه النماذج من التفاهمات الموضعية، يظل السؤال الأبرز: لماذا يستطيع الطرفان الاتفاق على حماية المصالح الحيوية، لكنهما يعجزان عن وقف الحرب؟

 

ويقول مرتقبون ان بين نجاح التفاهمات الموضعية وفشل الهدن الإنسانية، تتضح صورة صراع يُدار بمنطق المصالح الضيقة لا برؤية لإنهائه، ما يترك ملايين المدنيين رهائن لحسابات لا تعترف بالضرورة الإنسانية بقدر ما تخضع لموازين القوة.

 

أوراق ضغط 

 

ويرى مراقبون أن الإجابة تكمن في طبيعة هذه التفاهمات، التي تُبنى على حسابات براغماتية ضيقة، حيث يلتقي الطرفان عند “نقاط الضرورة” فقط، مثل حماية الموارد الاقتصادية أو تجنب الإدانة الدولية بسبب استهداف البنية التحتية المدنية. أما وقف الحرب، فيرتبط بتسويات سياسية أوسع وأكثر تعقيداً، تشمل تقاسم السلطة، وإعادة هيكلة الدولة، وضمانات إقليمية ودولية، وهي ملفات لا تزال محل خلاف عميق.

 

كما أن استمرار العمليات العسكرية يمنح كل طرف أوراق ضغط ميدانية يسعى لتعزيزها قبل الدخول في أي مفاوضات شاملة، ما يجعل التهدئة الشاملة خياراً مؤجلاً لصالح تفاهمات جزئية تخدم المصالح الآنية.

 

وفي ظل غياب تأكيد رسمي لهذه التفاهمات من طرفي النزاع، تبقى هذه الترتيبات مؤشراً على إمكانية الوصول إلى أرضيات مشتركة، لكنها في الوقت ذاته تكشف حدود تلك الإمكانية، حيث يتقدم منطق “حماية المصالح” على حساب “إنهاء الحرب”.

 

وبينما تواصل الأطراف إدارة صراعها على الأرض، يبدو أن الطريق إلى السلام الشامل لا يزال أطول بكثير من المسافة التي قطعتها نحو التفاهم على المطارات وحقول النفط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى