إعادة هيكلة الجيش السوداني: إصلاح مؤسسي أم إعادة تموضع للسلطة؟

تقرير: حمد الطاهر
في ظل الحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات، اتخذ رئيس مجلس السيادة السوداني، عبد الفتاح البرهان، مطلع أبريل سلسلة قرارات لإعادة هيكلة القيادة العسكرية، تضمنت تعيين ياسر العطا رئيسًا للأركان، وإلغاء منصب نائب القائد العام ومساعديه. الخطوة أثارت جدلًا واسعًا، وسط تساؤلات حول ما إذا كانت خطوة إصلاحية لإعادة قوة الجيش أم محاولة لإعادة الإسلاميين إلى قلب السلطة عبر بوابة المؤسسة العسكرية.
خلفيات القرار
تشير دراسة تحليلية صادرة عن مركز التقدم للسياسات إلى أن إحالة عدد من الضباط إلى التقاعد لا يمكن فصلها عن خلفياتهم الأيديولوجية، حيث ارتبط بعضهم بشبكات إسلامية تعود إلى حقبة حكم عمر البشير. وتشمل إعادة الهيكلة مفاصل حيوية في الجيش، من العمليات والاستخبارات إلى اللوجستيات، وهو ما يعكس توجهًا لإعادة بناء شاملة لسلسلة القيادة، وليس مجرد تعديل إداري محدود.
وتشير الدراسة إلى أن البنية القيادية السابقة لم تكن قادرة على إدارة صراع طويل ومعقد، ما دفع القيادة الحالية إلى اتخاذ خطوات لإحكام السيطرة السياسية والعسكرية معًا، ضمن استراتيجية لإعادة تموضع الجيش في المشهد السياسي مع الحفاظ على نفوذ المؤسسة العسكرية ضمن دوائر ضيقة.
إعادة ترتيب
تتزامن إعادة الهيكلة مع تصاعد الحساسيات الإقليمية والدولية تجاه جماعات الإسلام السياسي، وعلى رأسها جماعة الإخوان، وهو ما يعطي للخطوة أبعادًا تتجاوز الإطار العسكري المباشر. ويؤكد خبراء أن الجيوش في سياقات النزاعات الطويلة غالبًا ما تعيد ترتيب قياداتها لتعزيز السيطرة على مؤسسات الدولة، بما يخدم موازين القوى الداخلية والخارجية.
ويشير الباحث أليكس دي وال إلى أن الحروب تُستخدم كأداة لإعادة تشكيل النفوذ، حيث تميل القيادات العسكرية إلى إعادة ترتيب مواقع القوة داخل المؤسسة بما يخدم مصالحها السياسية، وهو ما يبدو واضحًا في الهيكلة الأخيرة للجيش السوداني.
تصريحات قيادية
قال رئيس هيئة الأركان ياسر العطا إن التغييرات الأخيرة تأتي ضمن إجراءات دورية تهدف إلى تجديد البنية القيادية، مؤكدًا استمرار القوات المسلحة في عملياتها العسكرية وتحقيق أهدافها المعلنة. وأضاف العطا أن الجيش يسعى إلى تعزيز التعاون مع القوات المشتركة وقوات الإسناد، مع إمكانية دمجها مستقبلاً ضمن وحدات القوات المسلحة لبناء جيش وطني يمثل مختلف مكونات البلاد.

التعيينات والترقيات
واصدر البرهان قرارت مؤخرا تضمنت إعادة الهيكلة حيث تم تعيين ،ياسر العطا رئيسًا للأركان، الفريق الركن عبد الخير درجام نائبًا لرئيس هيئة الأركان للإدارة، الفريق الركن محمد صبير رئيسًا للاستخبارات العسكرية، الفريق الركن معتصم عباس التوم نائبًا لرئيس هيئة الأركان للعمليات، الفريق الركن حيدر الطريفي نائبًا لرئيس هيئة الأركان للتدريب والفريق الركن خلف الله إدريس نائبًا لرئيس هيئة الأركان للإمداد.
كما شملت القرارات ترقية عدد من الضباط إلى رتبة الفريق والفريق أول، وإحالة آخرين للتقاعد، ضمن إطار إعادة تنظيم قيادة الجيش وتعزيز كفاءتها التشغيلية.
البعد الإقليمي والدولي
تثير هذه التحولات مخاوف إقليمية ودولية، خصوصًا استمرار ارتباط بعض مكونات الجيش بمحاور إقليمية، أبرزها إيران، ما يجعل موقع السودان على البحر الأحمر حساسًا للغاية. وتشير تقارير معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى إلى أن تنامي النفوذ الإيراني في البحر الأحمر والقرن الإفريقي يزيد من احتمالية تدخل أطراف دولية أو إعادة تقييم سياساتهم تجاه أي تحركات داخل الجيش السوداني.
إعادة الهيكلة
تبدو إعادة الهيكلة الحالية أقل ارتباطًا بإصلاح المؤسسة العسكرية بالمعنى التقليدي، وأكثر قربًا من إعادة تموضع داخل بنية السلطة، بهدف خلق قيادة أكثر تماسكًا في مواجهة أي تسوية سياسية مستقبلية قد تقود إلى انتقال مدني. ومع استمرار الحرب، تبقى خيارات السودان مفتوحة على عدة سيناريوهات، من إعادة إنتاج أنماط الحكم القديمة إلى استمرار الصراع وتعقيداته المتزايدة.
الضرورة العسكرية
تعكس الهيكلة الأخيرة للجيش السوداني مزيجًا من الضرورة العسكرية والتوازنات السياسية، إذ تسعى القيادة إلى ضمان استقرار المؤسسة في مواجهة صراع داخلي طويل، مع مراعاة الأبعاد الإقليمية والدولية التي تضيف مزيدًا من التعقيد إلى المشهد السياسي السوداني.






