
حين يحل الثالث من مايو، لا أجد في جعبة الكلمات ما يكفي للاحتفال. فحرية الصحافة في عالمنا ليست “عيداً” نرتدي له ربطات العنق ونتبادل فيه التهاني، بل هي “وقفة محاسبة” قاسية أمام مرآة الواقع. هي تساؤل مرير عن المسافة الفاصلة بين ما نكتبه في غرف التحرير، وبين ما يحدث فعلاً في رصيف الشارع.
إن حرية الصحافة لا تُقاس بعدد الصحف التي تُطبع، ولا بمنصات المواقع التي تتناسل كل يوم، إنما تُقاس بمساحة الأمان التي يشعر بها الصحفي وهو يضع إصبعه على الجرح، دون أن يخشى أن تُبتر أصابعه. هي حق القارئ في أن يعرف الحقيقة كاملة، لا أن يُسقى “أوهاماً” مغلفة ببريق العناوين الملونة.
الحرية.. ليست ترفاً
يخطئ من يظن أن المطالبة بحرية الصحافة هي شأن نخبوي أو ترف مهني. إنها باختصار “حق المجتمع في التنفس”. فبدون صحافة حرة، يتحول الفساد إلى نظام، والمحسوبية إلى قانون، ويصبح صوت الضعيف همساً لا يسمعه أحد. الصحافة هي الرئة التي يتنفس بها العدل، فإذا سُدت المسام، اختنق الجميع.
”الكلمة التي لا تكسر القيد، هي كلمة لا تستحق ثمن الحبر الذي كُتبت به.”
أمانة الحرف
في هذا اليوم، نحيي الزملاء الذين دفعوا أثماناً باهظة من حريتهم، بل ومن حياتهم، ليظل الحرف مستقيماً. لكننا أيضاً نوجه اللوم لأنفسنا؛ فالحرية تُنتزع بالممارسة والمهنية العالية، لا بالاستجداء. إن أخطر ما يواجه الصحافة اليوم ليس فقط “المقص” الأمني، بل هو “الرقيب الداخلي” الذي يسكن أعماقنا، ويجعلنا نمارس الرقابة على أحلامنا قبل أن تصل إلى الورق.
ختاماً..
سيبقى الثالث من مايو يوماً للقلق المشروع. قلق على مهنة تترنح بين مطرقة الضغوط وسندان الوضع الاقتصادي. سيبقى قلمنا “يبرد” الحقيقة، يزيل عنها الصدأ لتلمع من جديد، مؤمنين بأن الكلمة الحرة، مهما حوصرت، هي التي ستكتب السطر الأخير في كتاب التاريخ… الرحمة والمغفرة للزملاء/ة.. الدين غادروا الحياة في ظل الحرب اللعينة…






