لماذا تحول الحياد ورفض الحرب إلى ” خيانة” في نظر طرفي النزاع في السودان؟
عندما تصبح الدعوة إلى الحياة جريمة

تحقيق : حمد الطاهر
في التنازع العنيف الذي يشهده السودان منذ اندلاع حرب 15 أبريل 2023م، لم تعد المعارك تُدار في جبهات القتال بالسلاح الخفيف والثقيل فحسب، بل امتدت الشظايا لتجتاح الحيز المدني، القانوني، والإنساني. يفتح هذا التحقيق الاستقصائي ملفاً شائكاً حول هندسة “التخوين الممنهج” في السودان، وكيف تحول “الانحياز للحياة” ورفع شعار “لا للحرب” إلى تهمة تلاحق أصحابها بوصفها “خيانة عظمى” من قِبل طرفي النزاع، القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، مستندين في ذلك إلى ترسانة من الأوامر الولائية، والتوظيف السياسي لـسلاح القوانين ، وغرف الذباب الإلكتروني المشحونة بخطاب الكراهية والتعبئة العرقية والمناطقية، ، وتجريم شبكات الاستجابة الإنسانية وغرف الطوارئ
غياب الطوارئ الدستورية واللجوء إلى التشريعات البديلة
في تتبعنا للسياقات القانونية التي شُرعنت عبرها ملاحقة دعاة السلام، تحدث إلينا عضو منظمة “محامون ضد التمييز” الخبير القانوني الأستاذ أشرف أبو سمرة أن الأوامر الولائية الصادرة تمثل تشريعاً بدائياً فرضته ظروف الحرب، وهو وليد حالة التنازع العنيف والحديث العاطفي السالب في البلاد. حيث استندت هذه الملاحقات إلى سياقات فضفاضة عُرفت قانونياً بمصطلحات هلامية مثل ملاحقة “الوجوه المشبوهة” أو “الوجوه الغريبة”.
ويشير أبو سمرة إلى خلل دستوري هيكلي في إدارة الأزمة الحالية، يكمن في الآتي:
“من المعروف قانونياً ودولياً أنه في حالة الحروب، تتخذ الدولة إجراءات استثنائية عبر إعلان حالة الطوارئ. هذا الإعلان يجب أن يصدر عن القاعدة الأعلى للدولة المتمثلة في رئيس الوزراء (الرئيس التنفيذي والقائد الأعلى للدفاع)، والذي يختلف تماماً عن مفهوم ‘القيادة العاملة للجيش’ التي تمثل أعلى وظيفة عسكرية داخل المؤسسة المسلحة.”
وفقاً للقانون السوداني، فإن رئيس الوزراء هو المخول بإعلان حالة الطوارئ وفقاً لـ (قانون الطوارئ والسلامة العامة لعام 1997)، والتي بموجبها تخرج الإجراءات الجنائية العادية عن مسارها الطبيعي لتصبح أكثر قسوة، وتمنح السلطة التنفيذية يداً مطلقة في التفتيش، والاشتباه، والاعتقال.
ويفجر التحقيق هنا تساؤلاً جوهرياً: لماذا لم تُعلن حالة الطوارئ وفق القنوات الدستورية المعتمدة حتى الآن؟ ويقول ابوسمرة إن غياب هذا الإعلان واستبداله بـأوامر ولائية هو الذي خلق خللاً جسيماً في مسار العدالة؛ إذ إن الهدف من قانون الطوارئ هو منح أوامر ضبط قاسية لحفظ الأمن وليس تعطيل القضاء، لأن استمرار القضاء واستقلاليته يمثلان جزءاً لا يتجزأ من استمرار الحياة والعدالة، ويفرض عليه البقاء في موقف محايد ومتجرد ومتمسك بالنص القانوني المنضبط أمام كل الأطراف.
و توثق المنظمات الحقوقية هذا التغول بدقة؛ حيث أصدرت منظمة العفو الدولية تقريراً يوضح كيف استغلت السلطات العسكرية التابعة للجيش، والمليشيات المتحالفة معها، غياب الأطر الدستورية لشن حملات اعتقال وتخوين ضد الناشطين المدنيين بتهم “مساعدة العدو” دون أي غطاء قانوني مشروع. لمطالعة التفاصيل يمكن مراجعة التقرير الرسمي عبر الرابط التالي: تقرير منظمة العفو الدولية حول السودان.
https://www.amnesty.org/ar/location/africa/east-africa-the-horn-and-great-lakes/sudan/?hl=ar-EG
مذكرات التوقيف وتوظيف سلاح القوانين كأداة تصفية سياسية
أحد أبرز مظاهر التغول القانوني تجسد في مذكرات التوقيف والبلاغات التي فُتحت بحق قادة مدنيين وناشطين وصحفيين، والتي وصلت عقوباتها الموجهة إلى الإعدام بتهم “تقويض النظام الدستوري والإرهاب والمواد الموجهة ضد الدولة”، لمجرد مشاركتهم في أنشطة سلمية أو اجتماعات مدنية أو ممارسة العمل الصحفي الاستقصائي الكاشف للحقائق خلف الكواليس.
وفي تقييمه القانوني لهذه المذكرات، يشدد أبو سمرة على القاعدة الأصولية: “لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص”، ويشير إلى أن “التكييف القانوني” يعني قياس الفعل وإنزاله بدقة على قالب القاعدة القانونية وحكمة المشرع، دون أي توسع. ويستدعي أبو سمرة هنا مقارنة تاريخية شهيرة:
“إن التوسع التفسيري يعد حياداً وخروجاً عن العدالة. ونذكر هنا ما حدث في قضايا سبتمبر ،إبان تطبيق قوانين الشريعة في عهد النميري، عندما توسع القاضي المكاشفي في تفسير النصوص وكيفها لقطع يد المؤتمن على المال العام قياساً على السارق العادي، وهو ما عُدّ خروجاً صارخاً عن العدالة. فما بالك اليوم ونحن أمام قضايا تصل عقوبتها للإعدام؟”
فيما كشف الصحفي والمحلل السياسي ماهر أبو الجوخ، ل” نادو نيوز” عن تعرضه للمقصلة القانونية والابتزاز المباشر عبر فبركة المحتوى وتلفيق التهم، حيث يقول:
“الابتزاز أمر اعتاد عليه المرء؛ في مرات تم اجتزاء حديثي ونشره مبتوراً، وفي مرة تم تركيب صورتي واسمي على مقطع صوتي تحريضي لشخص آخر. أنا ضمن المجموعة التي فتحت سلطة قائد الجيش بلاغات سياسية في مواجهتها في أبريل 2024م وعقوبتها الإعدام، بتهمة مساندة الدعم السريع، وارتكاب جرائم حرب، وتقويض النظام الدستوري، وصاحب ذلك تجميد حسابي البنكي ومنعي من تجديد وثائقي الثبوتية. إنهم يريدون رأسي أكثر من موقفي!”
وكانت السلطات السودانية عقب اندلاع النزاع، قيدت بلاغات جنائية ضد قيادات من تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية (تقدم)، من بينهم رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، ووضعتهم في قوائم الحظر، وطالبت الإنتربول بتوقيفهم. كما شملت قوائم الحظر التي ظهرت في فترات سابقة، مثل عام 2021، قيادات في لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو، من أبرزهم: عضو مجلس السيادة السابق محمد الفكي سليمان، خالد عمر يوسف، صلاح مناع، وجدي صالح، طه عثمان إسحق، وبابكر فيصل.
فيما أصدرت الحكومة مؤخرا قرارا أنهت بموجبه عملياً إجراءات الحظر التي طالت جميع المعارضين. وقالت حسب “القدس العربي” إن إدراج اسم أي مواطن سوداني في قوائم الحظر لا يحول دون حقه في إصدار أو تجديد جواز سفره.
https://www.alquds.co.uk/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86-%D9%8A%D9%86%D9%87%D9%8A-%D8%AD%D8%B8%D8%B1-%D8%B3%D9%81%D8%B1-%D8%B7%D8%A7%D9%84-%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%B1%D8%B6/
عقوبات الإعدام
وتأتي شهادة الكاتبة الصحفية صباح محمد الحسن ل ” نادو نيوز” لتقدم نموذجاً عينياً ومحدثاً على توظيف الأجهزة العدلية لملاحقة الكلمة؛ حيث تكشف عن تعرضها لملاحقات مستمرة منذ اندلاع الحرب بعدة بلاغات، من بينها أربعة بلاغات تتعلق بتقويض النظام الدستوري، وإثارة الحرب، وجرائم ضد الدولة، وجرائم الإرهاب، وجميعها عقوبتها الإعدام. وتفصّل صباح محمد الحسن الإجراءات الأخيرة ضدها قائلة: “أصدرت النيابة العامة السودانية، عبر وكيل النيابة الأعلى، إعلانًا رسميًا بالنشر موجّهًا بالقبض علي، وذلك في إطار الدعوى الجنائية رقم (4968/2025). وجاء الإعلان استنادًا إلى السلطات المخولة لوكيل النيابة بموجب المادة (78) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991، وبناءً على مواد متعددة من القانون الجنائي، وقانون مكافحة الإرهاب، وقانون جرائم المعلوماتية، حيث أشارت النيابة إلى أنني ومع آخرين توارينا عن الأنظار. وقبل ثلاثة أسابيع فتحت ضدي بلاغات جديدة بالرقم 81/2026 أمام نيابة أمن الدولة تحت المواد 50/52/63/66 من القانون الجنائي لسنة 1991 وهي تقويض النظام الدستوري وإثارة الحرب ضد الدولة وإثارة الفتنة ونشر الأخبار الكاذبة.”
وتكشف الأستاذة صباح عن الخيط الرابط وراء تحريك البلاغ الأخير (81/2026): وقالت “حسب المعلومات التي وصلتني من السودان أن المقال الذي كشفت فيه الزيارة السرية للفريق عبد الفتاح البرهان من سلطنة عمان إلى الإمارات براً، هو وراء البلاغ الأخير نسبة لأن الزيارة تمت في سرية تامة وشددت الحكومة على ضرورة عدم تسريبها ولكنهم تفاجأوا بها في الصحافة. لقد أرادوا حجب الحقيقة وقصدوا إرسال رسالة للصحفيين والإعلاميين أن الحديث حول زيارة البرهان للإمارات قد يعرض الصحفي لمواجهة البلاغات نفسها، ما يعني تحذير وتهديد واضح للصحافة وتخويفها وإسكات الأصوات التي ربما تكشف الأكثر.”
عندما يصبح القلم أداة جريمة
وتشرح الأستاذة صباح المفارقة الهيكلية والتناقض الصارخ في بنية هذه التهم الجنائية: “النيابة عندما توجه لكاتب صحفي ليس في يده سوى القلم أنه يقوض النظام الدستوري فهنا لا توجد ركيزة قانونية؛ التهمة تفترض وجود نظام دستوري محمي، لكن الواقع أن النظام نفسه مهدوم بفعل الحرب والانقلاب، وبالتالي تصبح التهمة أقرب إلى أداة سياسية لا إلى توصيف قانوني. لذلك فإن البلاغات تأخذ البعد السياسي القائم على استخدام القانون كسلاح، فالسلطة تلجأ إلى تهم مثل ‘تقويض النظام’ لتجريم الأصوات المعارضة، حتى لو كان النظام ذاته فاقدًا للشرعية، وهي محاولة لإعادة إنتاج القمع. هذا يعكس عقلية الأنظمة التي تُحوِّل القانون إلى أداة سياسية لا إلى مرجع للعدالة، وكذلك أرادت إخفاء الحقيقة فالتهمة تُستخدم لتغطية حقيقة أن النظام يعيش في فراغ دستوري، وأن الحرب ألغت أي إطار قانوني حقيقي. هذا التناقض يفضح أن السلطة لا تعترف بالسيولة الدستورية إلا عندما تخدمها، لكنها تدّعي وجود نظام دستوري عندما تريد محاكمة الذين يحاولوا كشف عيوبها. إنها مفارقة بين اتهام فرد أعزل بالكلمة وبين إعفاء المدافع والمسيّرات من المسؤولية عن تقويض الدولة بأكملها، وهذا يفضح أن القانون هنا ليس معيارًا للعدالة، بل خطاب سياسي يُستخدم لتثبيت السيطرة وإسكات النقد.”
وعند سؤال الكاتبة حول ما إذا كان الإجراء قانونياً لحماية الدولة، أجابت بوضوح قائلة “أولاً أنا لا أرى أن هناك دولة في الأساس، وحماية الدولة ممن؟! من صحفي لا يحمل إلا القلم ولا يكتب إلا الحقيقة؟ أي جريمة ارتكبناها ضد ما يسمونها دولة؟ هل نحن من تسبب في الحرب؟ هل نحن من نقوض النظام الدستوري وماهو تفويض النظام؟ فالمادة 50 لتقويض النظام من القانون الجنائي لسنة 1991 تُفهم عادةً على أنها تشمل أفعال مثل الانقلاب العسكري أو محاولة إسقاط السلطة القائمة بالقوة. وأنا لا حول لي ولا قوة لإسقاط هذا النظام الحالي، ولو أملك القوة لأسقطته غداً حتى أمنح هذا الشعب السوداني الحياة قبل السلام، لكن ما نعجز عن فعله الآن ستقوم به مواكب الثورة غداً فالشارع حتى الآن لم يقل كلمته في هذه الحرب.

و رصدت بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في السودان قيام النيابة العامة بفتح بلاغات تصل عقوبتها للإعدام وتجميد حسابات مصرفية ضد سياسيين وصحفيين ومدنيين بتهمة التعاون مع قوات الدعم السريع أو ارتكاب جرائم ضد الدولة لمجرد نشاطهم السلمي والدعوة لوقف الحرب، وهو ما اعتبرته البعثة استخداماً سياسياً مسيئاً لأجهزة العدالة وإساءة لاستخدام القوانين الوطنية بغرض تصفية الخصوم وتكميم الصحافة الحرة. يمكن الاطلاع على إفادات البعثة عبر الرابط: المفوضية السامية لحقوق الإنسان – بعثة تقصي الحقائق في السودان.
https://www.ohchr.org/ar/hr-bodies/hrc/sudan-ffm/index?hl=ar-EG
“المهنية” كغطاء للاختراق.. تفتيش الهواتف بوعي البندقية
منذ أن أطلقت الرصاصة الأولى في حرب السودان، لم تعد ساحة المعركة مقتصرة على محاور الاشتباك العسكري، بل امتدت لتشمل فضاء الكلمة والمعلومات. وفي بيئة محكومة بشعار “إما معنا أو ضدنا”، تحولت الصحافة المستقلة ومحاولة الوقوف على مسافة واحدة من أطراف النزاع إلى جريمة فى نظر طرفي الحرب.
وفي شهادة ميدانية ، يروي صحفي سوداني تم اعتقاله من قبل قوات الدعم السريع في الخرطوم (فضّل حجب اسمه لأسباب أمنية)، تجربته داخل معتقلات قوات الدعم السريع، لتقدم نموذجاً حياً لكيفية تجريم الاستقلالية.
بدأت فصول محنته عندما أوقفته قوة ميدانية، لتنهال عليه فوراً حزمة من الاتهامات الجاهزة: التبعية لجناح إسلامي، والعمل لصالح جهات استخباراتية، ورصد وإرسال تحركات القوات لصالح الجيش السوداني.
ويقول الصحفي محجوب الاسم في شهادته
“في غرف التحقيق، تسقط مصطلحات كالمهنية وحقوق الإنسان، لتتحول في نظر المستجوبين إلى مبررات للاقتصاص. ينظر المحققون إلى العمل الإعلامي المستقل بريبة تامة؛ فمنطقهم العسكري يرى أنه لا يمكن لصحفي أن يكون محايداً. بل إنهم واجهوني صراحة بعبارة تلخص عقيدتهم تجاه الصحافة الحرة: (نحن اعتقلناك لكي تعمل لصالحنا، فمن حقنا أن نملي عليك ما نريد، وأن تنقل أخبارنا وتقاريرنا لأننا بحاجة لصحفي يفعل ذلك”.
لم تكن غرف التحقيق معزولة عن الفضاء الرقمي؛ حيث خضع هاتف الصحفي لتفتيش دقيق طال تطبيقات (واتساب وماسينجر). ورغم محاولاته لتوضيح طبيعة عمله المحايد، إلا أن المحققين، الذين يفتقر معظمهم للوعي والقدرة على القراءة، استندوا إلى وثائق شخصية عادية لتأكيد شكوكهم؛ إذ تم اتهامه بأن مهامه أمنية بمجرد العثور على رخصة قيادة صادرة عن الشرطة السودانية تحمل شعار الدولة الرسمي، مفسرين ذلك كدليل دامغ على تبعيته للأجهزة العسكرية.
غرف التحقيق كمسرح لتجريم الخطاب اليومي
ذات الوجهة التجريمية الإقصائية واجهها الدكتور طارق عبد الله محمد، رئيس تحرير صحيفة (الرأية اليوم)، الذي داهمت قوة من الدعم السريع منزله في منطقة الحاج يوسف بالخرطوم، بناءً على معلومات مسبقة عن هويته المهنية.
ويروي الدكتور طارق عبد الله تجربته قائلاً:
“لم يوجهوا إليّ تهمة عسكرية، بل كان التركيز منصباً على اتهامي بمساندة الجيش. تعززت شكوكهم وتصنيفهم العدائي لي فور رفضي التعاون معهم في مجالهم الإعلامي، مبرراً ذلك بعدم قناعتي بقضيتهم. هنا، انتفت المنطقة الوسطى تماماً، وفُرضت الثنائية الإقصائية: إما أن تكون معنا.. أو أنت ضدنا”.
على الفور، جرى تصنيف د. طارق كأحد عناصر (الفلول) وبأنه الشخصية الرقمية المؤثرة (الانصرافي). ورغم أنه أوقف نشاطه الإعلامي تماماً منذ اندلاع الحرب وغادر كافة المجموعات على منصات التواصل لعلمه بأن هذه القوات تحاسب المدنيين على الرسائل، إلا أن التحقيق معه ارتكز على دليلين واهيين أُخرجا من سياقهما:
الأول: رسالة شخصية عابرة على واتساب مع الزميل سفيان نورين، استخدم فيها مصطلحي (الجنجويد والشفشفة) لوصف الأوضاع في الحاج يوسف، مما أثار حنق المحققين الذين رفضوا التسمية رغم مواجهتهم بأن “سوق الشفشفة” يقع علناً خلف مكتب استخباراتهم.
والثاني: سجل بحث في محرك غوغل على هاتفه لخطاب مسجل للفريق ياسر العطا، اعتبره المحققون دليلاً دامغاً على الولاء السياسي للجيش.
تراتبية الاستهداف.. الصحفي كـ “هدف استراتيجي”
وتكشف الشهادات عن عقيدة أمنية موحدة لدى أطراف الصراع، تضع العمل الصحفي في خطوط الاستهداف المباشرة لشرعنة التعتيم وتوجيه الرواية الحربية.
ويؤكد الدكتور طارق عبد الله هذه الحقيقة من واقع تجربته داخل الزنازين ويقول “في زنازين الاحتجاز، تكشفت لي العقيدة الأمنية للمحققين؛ إذ يحل الصحفي في المرتبة الثانية مباشرة بعد منسوبي الجيش في قائمة الأشخاص المفروض اعتقالهم، متقدماً على منسوبي الشرطة والأمن والقوات المشتركة. ينظرون إلى الصحفي المستقل كـجاسوس يرفع الإحداثيات، ويربطون عمداً بين الحرفة المهنية والمعركة العسكرية. بالنسبة لهم: الصحفي الحقيقي الوحيد هو من يعمل في آلتهم الدعائية ويتبنى روايتهم، وما دون ذلك فهو عدو.
ويضيف طارق أن عناصر الاستخبارات الميدانية لم يعرضوا عليه صياغة تقارير، لأن دافعهم الأولي كان احتفالياً، حيث يعتبر اعتقال رئيس تحرير صحيفة بمثابة صيد سمين” وإنجاز يستحق المكافأة والترقية من القيادة.
الاستقطاب الرقمي وسحق شعار “لا للحرب”
المفارقة الكبرى في تجربة الصحافة المستقلة بالسودان أنها تواجه سنداناً على الأرض ومطرقة في الفضاء الرقمي. فعندما تناقلت وسائل إعلام كبرى مثل “الحدث”، و”العربية”، و”الجزيرة” خبر اعتقال الصحفي “محجوب الاسم”، انعكس الاستقطاب الحاد في تعليقات منصات التواصل الاجتماعي؛ حيث اتهمه قطاع من المعلقين بالانحياز للجيش، بينما اتهمه آخرون بالعمالة للدعم السريع.
هذا التناقض يفسره الدكتور طارق عبد الله بالتكامل مع أزمة شعار “لا للحرب”..ويقول:
“في تقديري، إن شعار “لا للحرب” أطلقه البعض متأخراً بعد أن كانت الرصاصة قد نفذت إلى صدور البيوت وسفكت الدماء، لذا أصبحت القوى المتصارعة تنظر إلى هذا الشعار بريبة، بوصفه وسيلة تكتيكية لإخفاء الانتماء السياسي أو التهرب من اتخاذ موقف، ليتحول الداعون لإيقاف الحرب في نظر العسكريين إلى طابور خامس يخدم أجندة الطرف الآخر”.
ويتابع د. طارق واصفاً البيئة النفسية داخل المعتقلات: “إن ما يختبره المعتقل داخل مكاتب الاستخبارات من إذلال، ومعاملة قاسية تفتقر لأبسط معايير الإنسانية، يقنعه بأن الحياد في خطوط النار جريمة لا تغتفر، وأن البقاء في مناطق سيطرتهم خطأ كبير لأنك تواجه عناصر بلا عقيدة قانونية أو مرجعية أخلاقية”.
حصيلة الانتهاكات والأسماء الموثقة
تتطابق هذه الشهادات الحية مع الواقع الميداني الذي توثقه نقابة الصحفيين السودانيين والهيئات الدولية مثل لجنة حماية الصحفيين (CPJ)، والتي تؤكد تعرض البيئة الصحفية لاستهداف ممنهج شمل القتل والتصفيات، الاعتقال التعسفي، والإخفاء القسري، والاعتداء الجسدي واللفظي.
وكانت نقابة الصحفيين السودانيين طالبت الأطراف المتحاربة بالإفراج الفوري عن الصحفيين المعتقلين والكشف عن مصير الصحفيين المختفين قسرياً، معربة عن قلقها إزاء استمرار الانتهاكات التي تستهدف العاملين في القطاع الإعلامي منذ اندلاع الحرب في البلاد.
وقالت النقابة إن حالات الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي لا تزال مستمرة في عدد من المناطق، مشيرة إلى أن الصحفيين المختفين قسرياً هم أشرف الحبر، الذي فُقدت آثاره في أم درمان منذ نوفمبر 2024، وعصام محمد هارون الذي اختفى في مدينة الفاشر منذ أغسطس 2025، بجانب محمد حسين شلبي بالإضافة إلى الصحفي مصعب الهادئ الذي لا يزال مصيره مجهولاً.

كما أشارت إلى استمرار اعتقال عدد من الصحفيين، بينهم معمر إبراهيم، الذي تطالب منظمات صحفية وحقوقية بإطلاق سراحه بعد أشهر من احتجازه، إلى جانب عبد العزيز محمود صالح عرجة.
وأكدت النقابة أن استمرار احتجاز الصحفيين أو إخفائهم يشكل انتهاكاً لحرية الصحافة وحق المجتمع في الحصول على المعلومات، داعية المنظمات الدولية المعنية بحرية التعبير وحقوق الإنسان إلى تكثيف جهودها للضغط من أجل الإفراج عن المعتقلين والكشف عن مصير المفقودين وضمان حماية الصحفيين السودانيين.
الصحفيون المعتقلون والمختفون
https://www.facebook.com/photo/?fbid=954340247431036&set=a.111911081673961
https://www.facebook.com/photo/?fbid=935853202613074&set=a.111911081673961
كما وثّقت نقابة الصحفيين السودانيين مقتل 31 صحفياً وعاملاً في المجال الإعلامي منذ اندلاع الحرب في السودان في 15 أبريل 2023، في حوادث اغتيال وقصف مباشر واستهداف مرتبط بالنزاع المسلح، إلى جانب مئات الانتهاكات الأخرى التي طالت الصحفيين والمؤسسات الإعلامية. وأشارت النقابة إلى أن الانتهاكات الموثقة ضد الصحفيين بلغت 556 حالة خلال العامين الأولين من الحرب، شملت القتل والاعتقال والاحتجاز والاعتداءات الجسدية والتهديدات وتدمير المؤسسات الإعلامية.

الصحفيون الذين قتلوا أثناء الحرب
https://www.facebook.com/photo/?fbid=933946916137036&set=a.111911081673961
احتجاز الصحفيين و طبيعة الانتهاك والسياق الميداني
تم احتجاز الصحفي معمر إبراهيم مراسل قناة “الجزيرة” عقب سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر في أواخر أكتوبر 2025، وانتشرت له مقاطع فيديو تظهر احتجازه ومعاملته بقسوة وسط إدانات دولية واسعة. كذلك تم احتجاز الصحفي الرشيد محمد هارون في إقليم دارفور وظل رهن الاحتجاز دون الكشف عن أسباب واضحة أو السماح لأسرته بزيارته.
الاختفاء القسري وحصار الفاشر:
إلى جانب الاعتقالات المؤكدة، تشير تقارير لجنة حماية الصحفيين (CPJ) إلى وضع مأساوي وسوداوي للصحفيين في إقليم دارفور، وتحديداً في مدينة الفاشر؛ حيث رُصد اختفاء قسري ونقص كامل في المعلومات عن مصير 11 صحفياً عقب الاجتياح العسكري للمدينة في الربع الأخير من عام 2025.
عبء الحياد ومستقبل الحقيقة
في نهاية المطاف، تلتقي أصوات الصحفيين الناجين من خطوط النار عند حقيقة واحدة: الحياد ليس ترفاً أكاديمياً بل هو خيار وجودي شاق.
ويرى الصحفي (محجوب الاسم) أن الصحفي “يجب أن ينحاز لوطنه ومؤسساته الوطنية في القضايا المصيرية، لكنه ملزم تماماً بالحياد والموضوعية المطلقة أثناء إنتاج ونقل التقارير الإخبارية في خطوط المواجهة”.
وهو ما يختمه الدكتور طارق عبد الله وهو يوجه نصيحة وجودية للأجيال الصحفية الحالية في السودان:
“الاستمرار في نقل الحقيقة هو طبيعة هذه المهنة ومبرر وجودها؛ من استطاع تحمل كلفتها فليستمر، ومن لم يستطع فالانسحاب مؤقتاً أكرم له. هناك ضوابط وتحوطات مهنية صارمة للعمل في مناطق النزاعات تحميها القوانين الدولية واتفاقيات جنيف المعترف بها من قبل منظمة الأمم المتحدة (UN) واليونسكو (UNESCO) الوعي بهذه الأدوات والتمسك بها هو درع الصحفي الأخير في بيئة باتت ترى في القلم بندقية معادية”.
سد الفراغ الإنساني وتأسيس الغرف العفوية على الأرض
لا يقتصر تسييس القوانين والتخوين على الأقلام والإعلاميين، بل يمتد بشكل أكثر دموية ليتجلى في تجريم العمل الإنساني وتفكيك شبكات الطوارئ المحلية التي نبتت تلقائياً لسد الفراغ التنفيذي والطبي.
يقدم عضو بغرفة طوارئ جنوب الخرطوم شهادة حية توثق انطلاقة العمل تحت الحصار فيقول:
انطلقت أعمال غرفة طوارئ حي الصحافة بتركيز أساسي على الملف الصحي وتوفير العلاج والدواء للمرضى، في وقتٍ غابت فيه كافة المؤسسات والدوائر الطبية الرسمية عن الخدمة. اتخذت الغرفة من ‘مركز صحي الصحافة 19’ مقراً لها، حيث تداعت مجموعة من الأطباء، الممرضين، والمدنيين من أبناء وبنات المنطقة لتجهيز المركز وتنظيفه وإعادته للعمل. تميزت الخدمات بتقديم العلاج والدواء مجاناً، إلى جانب إجراء الإسعافات الأولية والعمليات الصغيرة كاستخراج الرصاص والشظايا (الرايش)، وصولاً إلى إجراء عمليات ولادة طبيعية ناجحة داخل المركز. كان المحرك الأساسي لهؤلاء الشباب هو تقديم الخدمة للمدنيين المحاصرين في ظل النقص الحاد في الغذاء والدواء. وقد اعتمد الإمداد الدوائي بالكامل على تبرعات أهل الخير، والصيدليات الخاصة بالحي التي آثر أصحابها التبرع بكامل مخزونها للمركز عند إغلاقها، دعماً للمواطنين الصامدين في مناطق النزاع. ولقيت هذه الجهود تقديراً واحداً من سكان الصحافة والأحياء المجاورة؛ نظراً لتوفر خدمات طبية ممتازة ومجانية في أصعب الظروف. بل إن المركز – انطلاقاً من رسالته الإنسانية المجرّدة – استقبل وقدم الرعاية الطبية لحالات إصابة وجرحى من غير المدنيين التابعين لأطراف النزاع دون تمييز.”
على مسافة غير بعيدة، وتحديداً في عمق الخصوصية الجغرافية يروي عضو غرفة طوارئ الخرطوم شمال شهادة تطابق التداعي العفوي للمدنيين:..”مع دخول الحرب شهرها الثالث في العاصمة السودانية ومؤشرات امتداد أمد الصراع، تداعى شباب ومواطنو جزيرة توتي بالخرطوم لعقد اجتماعات عاجلة كلجان أحياء. نبعت فكرة ‘غرفة الطوارئ’ تلقائيًا بدافع واحد: تأمين استمرار الحياة وتوفير الاحتياجات الأساسية للأهالي دون نقصان، في ظل الخصوصية الجغرافية المعزولة للجزيرة. انطلقت أعمال الغرفة بالاعتماد على التطوع الكامل، وإعادة تشغيل المركز الصحي الوحيد بالجزيرة عبر الكوادر الطبية المتاحة، واستنفار مجهودات أي مواطن قادر على تقديم العون. ورغم الضغوط الهائلة والإصابات البالغة الناتجة عن تساقط القذائف والدانات العشوائية، شكّل المتطوعون جبهة متماسكة تعمل كيدٍ واحدة تحت مظلة ‘المصلحة العامة’، مدفوعين بالواجب الإنساني المحض دون أي تطلع لمكاسب مادية، متجاوزين كافة المخاطر الأمنية وشح الإمدادات.”
سيكولوجية مجتمعات المواجهة ورفض الاستقطاب عسكرياً
تكشف الشهادات أن البيئة المدنية لم تكن مهيأة نفسياً لبنية الحرب الطويلة، مما دفعها لبناء جدران صد اجتماعية عبر مأسسة “التكايا المطبخية”:
كما ان المجتمع المدني في توتي لم يكن مهيأً أو متقبلاً لفكرة الحرب؛ إذ ساد اعتقادٌ عام بأن الصراع لن يتجاوز الأسبوعين على أقصى تقدير. لم يكن للمجموعات الشبابية أو المواطنين أي اهتمام بالصراع السياسي العسكري أو توازنات القوى، بل انصبّ التركيز على حماية السلم المجتمعي، وتخفيف وطأة الذعر والحالة النفسية السيئة التي عانى منها السكان والمختبئون داخل منازلهم. يتميز مجتمع ‘توتي’ بكونه نسيجاً مترابطاً كعائلة واحدة، حيث يعرف الجميع ظروف وطبائع بعضهم البعض. وتحت ضغط الحصار المتزايد، تحول نمط التكافل من جهود إسعافية فردية إلى مأسسة “التكايا المطبخية” وهي مبادرة شعبية للإطعام استُلهمت من تجارب ‘التاية” التاريخية التي كان ينظمها أهالي الجزيرة لمواجهة الفيضانات سابقاً. تم تحويل المساجد إلى مراكز لإعداد الطعام وتوفير الأدوية الشحيحة، مما صنع جدار صدٍّ أولي ضد محاولات الاستقطاب المبكرة.”
المحور الرابع: معضلة الجغرافيا وإدارة البقاء تحت جحيم الأمر الواقع
تتحول الجغرافيا الإنسانية إلى مسرح للجريمة السياسية بمجرد فرض السيطرة العسكرية؛ ويفصل عضو غرفة الخرطوم جنوب محطة الانهيار ومواجهة الآلة العسكرية لقوات الدعم السريع ويقول “شهد يوم 22 يوليو 2023 نقطة تحول مأساوية؛ حيث تمركزت قوات الدعم السريع بالقرب من المركز الصحي بالصحافة ، مما تسبب في خروجه تماماً عن الخدمة، بما في ذلك وحدة غسيل الكلى التي كانت تعمل تحت الملاحقة. تعرض الشباب القائمون على إدارة المركز لعنف مفرط، وتحولت المنطقة إلى ساحة عمليات عسكرية غير آمنة، مما أجبر معظم السكان على النزوح والتهجير القسري من منازلهم. في تلك المرحلة، غاب منطق التمييز لدى القوات المسيطرة، وتحول كل مدني متواجد في المنطقة إلى متهم؛ حيث وصمت قوات الدعم السريع المواطنين بـالعسكريين أو الانتماء للنظام السابق (كيزان)، وصاحب ذلك ممارسات عنيفة من التنكيل البدني واللفظي طالت الجميع دون فرز، بمن فيهم النساء، الرجال، الأطفال، وكبار السن.”
وفي سياق متصل، يشرح متطوع الخرطوم شمال معضلة الحصار المركب، والتعامل الحذر المفروض مع الارتكازات والابتزاز المالي العسكري:
“في المراحل الأولى، سادت حالة من الترقب والحذر الشديد في التعامل بين مواطني جزيرة توتي وقوات الجيش؛ حيث تميزت العلاقة بالانكماش والمسافات المتباعدة. ومع استمرار المعارك وتغير خريطة السيطرة الميدانية بدخول قوات الدعم السريع، فرض ‘الأمر الواقع’ نفسه على منافذ الجزيرة، واضطر السكان والمتطوعون للتعامل الحذر مع الارتكازات العسكرية التابعة للطرفين لتأمين مسارات الخروج والدخول الضرورية. ومع تفاقم النزاع وتناقص الغذاء والدواء، تحول العمل الإنساني إلى معركة يومية للمخاطرة؛ إذ استمر المتطوعون في جلب الأدوية والمستلزمات الطبية من قلب الخرطوم وعبر الممرات، تحت وطأة الرقابة المشددة، واشتراط دفع مبالغ مالية هائلة من قِبل قوات الدعم السريع المسيطرة ميدانياً للسماح بمرور الجرحى، أو إدخال الإمدادات التموينية للتكايا، في ظل انعدام أي ضمانات أمنية حقيقية للمتطوعين.”
وحسب تقارير منظمة الصحة العالمية التي أدانت تكرار الهجمات على المرافق الطبية واحتلالها عسكرياً في السودان، مما أدى إلى خروج أكثر من 75% من المستشفيات في مناطق النزاع عن الخدمة. يمكن مراجعة بيانات المنظمة هنا: منظمة الصحة العالمية – أزمات الصحة والسودان. كما وثقت منظمة أطباء بلا حدود في تقريرها الصادر تحت عنوان “حصار الطواقم الطبية والمدنيين في الخرطوم” تعرض الكوادر الطبية المتطوعة للضرب والاعتقال التعسفي والمصادرة الممنهجة للمستلزمات الطبية تحت تهم واهية بمساعدة الخصوم، ومطالعة تفاصيلها عبر موقع المنظمة الرسمي: أطباء بلا حدود – أزمة السودان.
https://www.who.int/ar?hl=ar-EG
الماكينة الإعلامية والوقوع بين شقي رحى “التخوين”
عند تفكيك الحملات الممنهجة ضد الرافضين للحرب والمنادين بوقفها، يكشف التحقيق أن أطراف الحرب هم المحركون الأساسيون، ولكن للدقة، فإن الطرف الأعلى معدلاً والأكثر شراسة في الاستهداف هم منسوبو حزب المؤتمر الوطني (النظام السابق) والحركة الإسلامية.
ويحلل الأستاذ ماهر أبو الجوخ الخلفية الاستراتيجية لهذا الاستهداف:
“منسوبو الحزب المحلول هم أصحاب مشروع لما بعد الحرب لا يريد حكماً مدنياً ديمقراطياً، ولذلك فإنهم تصدروا لهذه الحملة لجعل الحرب سانحة وفرصة للقضاء على المهدد الاستراتيجي لمشروعهم الخاص باسترداد السلطة مجدداً وتكوين حكم شمولي عضوض، والمتمثل في القوى المدنية والديمقراطية. الصراع بالنسبة لهم هو صراع وجودي.”
وتتطابق قراءة الصحفية صباح محمد الحسن مع هذا الطرح عند البحث في الخيوط والمؤشرات المحركة للبلاغات الجنائية: “الغرف الأمنية للنظام البائد هي التي بيدها القرار، وعجزت عن إسكات صوت الأقلام المعارضة لها، لذلك لجأت لأسلوب البلاغات وتلفيق الاتهامات، وأخيراً أضافت له أسلوب التشكيك في المقال؛ فنيابة أمن الدولة قالت إننا ننشر أخباراً كاذبة ولكنها عجزت عن ذكر هذه الأخبار، وهذا ما يعني عجزها عن نفيها.”
التحول البنيوي في خطابات الاستهداف الرقمي والاجتماعي
يوضح المتطوعون في الميدان كيف يُترجم الشحن العاطفي إلى ممارسات قمعية متبادلة على الأرض تضع المواطن المستقل بين شقي رحى، وتحوله إلى خانة العدو لدى الطرفين دون فرز:
ويروي متطوع غرفة الخرطوم جنوب تجربة الوقوع بين فكي الكماشة الأمنية:
“لعبت وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي دوراً محورياً في تغذية الحرب واشتعالها، عبر تصدير خطابات الكراهية المتبادلة بين طرفي النزاع، وبث الوعيد والادعاءات بقدرة كل طرف على الحسم العسكري. انعكس هذا الشحن الإعلامي مباشرة على حياة المدنيين في مناطق الاشتباك؛ فمن جهة، استمرت قوات الدعم السريع في وصم السكان الباقين بـ’الطابور الخامس،الفلول ،الكيزان والتبعية للجيش، ونفذت حملات اعتقال وضرب عشوائية، لم تكن تنتهي إلا بابتزاز عائلات المعتقلين ودفع فديات مالية هائلة مقابل الإفراج عنهم. ومن جهة أخرى، واجه المدنيون الفارون من الجحيم نحو مناطق سيطرة الجيش تحقيقات أمنية مكثفة من قِبل الاستخبارات العسكرية للتحقق من هوياتهم، وتعرّض بعضهم للضرب والانتهاكات أثناء التوقيف، قبل أن يُطلق سراحهم بعد التأكد من كونهم مدنيين أبرياء. لقد وُضع المواطن المستقل والمنادي بوقف الحرب في خانة العدو لدى الطرفين.”
فيما يكمل متطوع غرفة الخرطوم شمال رصد التحول البنيوي للشعارات وسقوط القناعات الجمعية في فخ خطابات الكراهية الموجهة:..ويقول:
“شهدت الحرب تحولاً بنيوياً وتطوراً في أدوات النزاع، واكبته طفرة حادة في ‘البروباغندا’ والإعلام الموجه المساند والمضاد على منصات التواصل الاجتماعي. مارست هذه الوسائل ضغطاً نفسياً وإعلامياً هائلاً نجح في تغيير قناعات قطاع من المواطنين عبر بث الشائعات وضخ خطابات الكراهية. تدرجت الشعارات المرفوعة في الشارع من دعوات الوحدة (جيش واحد شعب واحد)، مروراً بمطالبات التفاوض والتهدئة (أوقفوا الحرب)، وصولاً إلى غلبة الشعارات الإقصائية الرافضة لأي خيار سلمي (بل بس). وسط هذا الاحتقان الرقمي والاجتماعي، تعرضت غرف الطوارئ في توتي وأصحاب الرأي الرافض للحرب لعمليات تخوين ممنهجة ومحاولات عزل من قِبل الأطراف المنحازة عسكرياً، مما خلق حالة من الضعف الاجتماعي والانقسام بين مؤيد ورافض خارج أطر الوعي الجمعي.”
سلاح التجويع والمجاعة الممنهجة وتوحش الانتهاكات
يقوم الخطاب الحربي الإقصائي على إلغاء الآخر وشيطنته، وصناعة حالة من الخوف الوجودي، وهي الشيطنة التي تترجم عملياً عبر حصار التكايا والمطابخ الشعبية واستخدام التجويع كسلاح حرب لإنهاء شريان الحياة الوحيد للمواطنين الباقين في مناطق العمليات العسكرية.
يفصل عضو غرف الخرطوم جنوب التهم الثقيلة والتعذيب لابتزاز المتطوعين مالياً تحت وطأة المجاعة الممنهجة:
“واجه متطوعو الغرفة صعوبات بالغة في إدخال المواد التموينية للمطابخ الشعبية (التكايا) في الحي. في البداية، كانت الارتكازات العسكرية لقوات الدعم السريع تسمح بمرور الشاحنات بعد علمها بأنها مساعدات للمواطنين، لكنها اشترطت فرض رسوم عبور مالية، بينما سمح آخرون بمرورها باعتبارها عملاً إنسانياً. ومع دخول عام 2025، تفاقمت الأزمة الإنسانية بشكل حاد نتيجة النقص الشديد في الغذاء والدواء، وانقطاع المياه الصالحة للشرب، مما دفع السكان لشرب مياه الآبار غير الموصلة بشبكات الصرف الصحي وسحبها بالطرق البدائية (الدلو). في ظل هذه المجاعة الممنهجة، شنت قوات الدعم السريع هجمات عنيفة ومباشرة على مشغلي المطابخ الشعبية، واعتقلت عدداً كبيراً منهم. تركزت التحقيقات معهم حول: مصادر التمويل، الجهات الداعمة، المبالغ الواردة، والوجبات القدمة. وتطور الأمر إلى توجيه تهم ثقيلة لطاقم التكية بأنهم عساكر وجواسيس يمدون الجيش بالإحداثيات العسكرية، وكان ينتهي التحقيق – حتى بعد ثبوت براءة المتطوعين – بابتزازهم مالياً أو مصادرة المواد الغذائية من المطبخ بقوة السلاح تحت مسمى ‘الخونة’.”
قواميس الشيطنة وتوحش الانتهاكات الجسدية المنظمة
انعكس هذا الانحدار الأخلاقي المدفوع بالبروباغندا العسكرية على القاموس اللغوي والانتهاكات البدنية؛ فإلى جانب مصطلحات التدمير العسكري (بل، متق، جغم، أشاوس)، والنعوت العنصرية والسياسية المقيتة مثل (الفلنقايات، الانبايات، الأبلدة، الفلول، الكيزان، أولاد الضيف، أم كعوكات، المقملين، الملاقيط، طابور خامس ومتعاون )، تحول النهب الفردي إلى تدمير واستهداف ممنهج للأجساد عبر محاكاة الغرق، وتوظيف مقاتلين أجانب.

“تطورت الانتهاكات على الأرض من سلوكيات فردية إلى ظاهرة عامة وشديدة الكثافة. بدأت القوات باجتياح الأحياء ودخول المنازل التي هجرها أصحابها قسراً لسرقة ممتلكاتها. وعندما نفدت المواد الثمينة من المنازل الخالية، تحول الاستهداف نحو المنازل المأهولة بالسكان. أصبحت المجموعات المسلحة تقتحم المنازل ليلاً مستخدمة السيارات القتالية، وتتسلق الأسوار لترويع الأسر. ولم يقتصر الأمر على النهب، بل تعداه إلى إطلاق النار المباشر وقتل أصحاب المنازل من رجال ونساء. ورغم أن الارتكازات العسكرية في بداية الحرب كانت توفر نوعاً من الحماية عند تقديم الشكاوى ضد المتفلتين، إلا أنها في المراحل المتقدمة انخرطت هي ذاتها في عمليات المداهمة، الفوضى، والنهب الشامل. وصل الترهيب والتعذيب لانتزاع الأموال والذهب المخبأ إلى مستويات غير إنسانية؛ كتعذيب الرجال بإنزال رؤوسهم في فتحات آبار المياه مع الإمساك بأرجلهم (الإيهام بالغرق) لتهديدهم بالقتل ما لم يفصحوا عن أماكن ‘الدولارات والذهب’، وهي الأفعال التي أجبرت العائلات على تسليم كل ما تملك فداءً لحياة أبنائها. كما توثق الشهادة مشاركة عناصر ومقاتلين أجانب غير سودانيين في هذه الجرائم، ينتمون لدول الجوار، مثل تشاد، النيجر، أفريقيا الوسطى، ومالي، يمارسون الضرب والتنكيل دون أي رحمة بالنساء أو الرجال.”
و أفردت منظمة هيومن رايتس ووتشتقارير واسعة النطاق حول استخدام الدعم السريع والمليشيات المتحالفة معها لسلاح التجويع، ومصادرة الأغذية، ونهب الممتلكات الممنهج في ولاية الخرطوم والجزيرة، موثقة الجرائم القائمة على الهوية والمناطقية وتوظيف المقاتلين عبر الحدود، ومطالعة رصدها التفصيلي عبر الرابط: هيومن رايتس ووتش – ملف السودان.
https://www.hrw.org/ar/africa/sudan?hl=ar-EG
كما أصدر برنامج الأغذية العالمي (WFP)تحذيرات مرعبة تفيد بأن الحصار المفروض على التكايا والمطابخ الشعبية يعمق من حدة المجاعة المصنوعة عسكرياً في جيوب العاصمة والخرطوم بحري وأمدرمان: برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة.
https://ar.wfp.org/?hl=ar-EG
تجريم العمل المدني ومحاولة تصفية حسابات “ثورة ديسمبر”
تكشف الشهادات الميدانية للتحقيق أن تهم “التخابر” و”السرقة الكيدية” لم تكن محض إجراءات عشوائية، بل إن خلف الستار يتبدى بوضوح وجود سياسة ممنهجة ومنسقة من قبل محققي الطرفين لتصفية الحسابات السياسية التاريخية مع القوى المدنية وشباب وشابات ‘ثورة ديسمبر’.
يروي متطوع غرفة الخرطوم الثمن الباهظ للتمسك بالحياد والتحقيق البشع الموجه:
“دفع متطوعو الخرطوم ثمناً باهظاً لإصرارهم على البقاء على الحياد؛ إذ تعرضت غرفة الطوارئ لتضييق أمني صارم شمل الرصد، والملاحقة، والاعتقالات التعسفية، ومنع دخول المساعدات الإنسانية إلا بشروط معقدة. تحولت مقار الاستجابة الإنسانية من مراكز إغاثة إلى أهداف أمنية لطرفي النزاع. ووفقاً لشهادتنا، ركزت التحقيقات أثناء عمليات الاعتقال والتعذيب البشع على توجيه تهم كيدية تترواح بين الابتزاز المالي من قبل قوات الدعم السريع، والاتهام بـالتخابر مع الطرف الآخر (القوات المسلحة السودانية)، أو تصنيف مساعدة المجتمع كمجهود استخباراتي مدفوع. وخلف الستار، بدا واضحاً وجود سياسة ممنهجة من قبل القوات المسلحة السودانية لتصفية الحسابات مع القوى المدنية وشباب وشابات ثورة ديسمبر، عبر تحميلهم مسؤولية اندلاع الحرب من قِبل محققي الطرفين، مع إنكار متعمد للخلفيات السياسية والصراع المرتبط بالتيارات الإسلامية والنظام السابق التي أشعلت الفتيل.”
هندسة التشويه الرقمي واستهداف المصادر
يلعب الفضاء الرقمي دوراً محورياً في تسريع انتشار تهم العمالة وتضخيمها عبر الخوارزميات والغرف الممنتجة المدفوعة، حيث تؤكد الأستاذة صباح محمد الحسن تعرضها لحملات إلكترونية منسقة عبر آلاف الحسابات المزيفة المصنوعة خصيصاً للرد المسيء واغتيال الشخصية. ويمتد الترهيب ليعيد صياغة المشهد الصحفي عبر “ملاحقة المصادر وعزل التوثيق عن مجرياته الإنسانية”. وتفصل الأستاذة صباح كيف تعمل لحماية مصادرها الداخلية في ظل تزايد وتيرة الفظائع:
“حمايتي لمصادري أهم عندي من أطياف؛ وأذيع لك سراً، في إحدى المرات احتجب أطياف بالرغم من أنني قمت بكتابته، ولكن شعر المصدر أنه في خطر فقررت الاحتجاب بالرغم من المعلومات الواردة وأهميتها وصحتها، لكن كان لابد أن أحافظ على مصدري وأضحي بالمعلومات. وكثيراً ما أقطع التواصل مع مصادري لسلامتهم؛ فكان لي مثلاً مصدر مهم ببورتسودان قطعت اتصالاتي به ورفضت الرد عليه لعلمي بما تعرض له آخرين من مساءلات وتحقيقات حتى علمت أنه أصبح خارج السودان. كيف لي أن أضمن أنه هو من يراسلني فربما تمت مصادرة هاتفه.”
ويتطابق هذا المناخ الترهيبي الرقمي والأمني مع ما واجهه متطوعو التكايا في حي الصحافة عقب تبدل السيطرة العسكرية وتدشين بلاغات التخوين الكيدية من قبل الأجهزة الأمنية: https://ar.wfp.org/?hl=ar-EG
ويقول مصذر بالغرفة:
“نتيجة لهذه الانتهاكات المستمرة، أصيبت غرف الطوارئ والمطابخ الشعبية في مقتل؛ فتوقف بعضها بسبب إصابة المتطوعين برصاص القذائف أو تحت التعذيب، وتوقف بعضها الآخر حفاظاً على الأرواح، أو بسبب جفاف وتوقف سلاسل الإمداد. وتبرز الظاهرة الخطيرة التي واجهت المتطوعين عقب استعادة الجيش والسيطرة على تلك المناطق؛ حيث واجه عدد من النشطاء المدنيين تهمًا كيدية من قِبل الأجهزة الأمنية تتعلق بـالتعاون مع العدو أو السرقة، وهي بلاغات ذات طابع كيدي سياسي ناتجة عن الاختلاف في الموقف السياسي، ورغم ذلك ثبتت براءة معظمهم وأُطلق سراحهم لاحقاً.”
رصدت منصات الحرب المعلوماتية السودانية، مثل بيم ريبورتس (Beam Reports)، دور الحسابات والمجموعات الموجهة على تليغرام وفيسبوك في نشر قوائم استهداف بأسماء متطوعي غرف الطوارئ ووصفهم بالعملاء والجواسيس، مما يعرض حياتهم لخطر التصفية والاعتقال عند تغير جغرافيا السيطرة الميدانية بين طرفي النزاع.
بحسب تقارير نشرتها منصة بيم ريبورتس (Beam Reports)، وثّقت وجود شبكات وحسابات إلكترونية مؤيدة لكل من الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، لكنها لم تنشر قائمة شاملة ونهائية بجميع الحسابات المؤيدة للطرفين. ومع ذلك، ذكرت بعض الحسابات والصفحات التي شاركت في حملات منسقة أو في نشر محتوى دعائي ومضلل.

وحسب “بيم ريبورتس” الحسابات والصفحات المؤيدة للجيش السوداني وردت في تقرير “الدعاية الحربية وتطبيقاتها في الحرب السودانية”، وهي كالتالي:
اسم الحساب / الصفحة طبيعة المحتوى المنشور
لواء الردع الإلكتروني: حملات منسقة ومحتوى دعائي
كلنا جيش: تعبئة واستنفار لدعم القوات المسلحة
كولومبيا – فرع مدني: تتبع أنشطة الفاعلين وروايات حربية
فيشك طلع: (Fishk Talaa) كشف وفبركة محتوى مضاد لصالح الجيش
شخصيات فاسدة : استهداف وتشويه الشخصيات المدنية
غربال مدني: رصد محلي وتوجيه اتهامات بالعمالة
أم درمان الإلكترونية / هنا أم درمان” أخبار ميدانية وتعبئة جماهيرية
أخبار السودان الآن: من كل المصادر إعادة نشر وتضخيم الرواية العسكرية
Ibn Sudan : حسابات شخصية ومؤثرة في التعبئة
يوميات الهالك حميدتي: حرب نفسية وسخرية من الطرف الآخر
أحمد إسماعيل / عماد الدين حلواني حسابات صناعة محتوى ممنتج وموجه
كما أشار التقرير إلى دور المؤثر المعروف باسم “الانصرافي” في الترويج لروايات مؤيدة للجيش عبر المنصات الرقمية والإعلام الرسمي.
https://www.beamreports.com/2024/05/30/%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%b3%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ad%d8%aa%d9%88%d9%89-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d9%81%d9%8a%d8%b3%d8%a8%d9%88%d9%83-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%ad%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa/
حسابات مؤيدة للدعم السريع
فيما يلي جدول مختصر يميز بين المنصات الرسمية التابعة للدعم السريع وبين وسائل إعلام أو منصات وُجهت إليها اتهامات أو انتقادات بسبب تغطية اعتبرها بعض الأطراف متقاربة مع رواية الدعم السريع. وجود جهة في الجدول لا يعني بالضرورة أنها تابعة للدعم السريع ما لم تُذكر كمنصة رسمية:

تصنيف الجهة اسم المنصة / الرابط الرقمي
منصة رسمية: قوات الدعم السريع (الموقع الرسمي)
منصة رسمية: البوابة الإعلامية لقوات الدعم السريع
منصة رسمية: قناة قوات الدعم السريع على تلغرام
منصة رسمية: صفحة الروابط الرسمية للدعم السريع (Linktree)
قناة رسمية: قناة الدعم السريع على يوتيوب (عبر صفحة الروابط)
حسابات رسمية حسابات الدعم السريع على منصات التواصل (عبر صفحة الروابط)
وسيلة إعلامية Sky News Arabia :تعرضت لاتهامات بالانحياز من أطراف سودانية
وأشارت “بيم ريبورتس” إلى وجود منصات وحسابات عديدة داعمة للدعم السريع شاركت في نشر مقاطع وصور مضللة خلال المعارك، لكنها لم تنشر قائمة مماثلة بأسماء الصفحات الرئيسية كما فعلت مع بعض الشبكات المؤيدة للجيش. كما رصدت تقارير أخرى حسابات مرتبطة بقيادات أو شخصيات داعمة للدعم السريع على منصات مثل تيك توك وإكس.


دور المؤثرين والرد الاصطناعي
يتلخص دور “المؤثرين” أو “الذباب الإلكتروني” الموجه في تحويل النقاش العقلاني إلى حملات اغتيال معنوي ضد دعاة التهدئة، ويوضح ماهر أبو الجوخ آليتهم في السيطرة على النقاش:
”دورهم يكمن في السيطرة على بداية التعليقات بتوجيه رسالة إما مؤيدة أو ناقدة بغرض تشكيل انطباع عام برفض المحتوى المكتوب. وتأخذ تلك التفاعلات شكلين: إما صدورها من جهات حقيقية (أشخاص طبيعيين)، أو أن يكون الرد اصطناعياً عبر تكرار النقد بحسابات متعددة حقيقية أو وهمية.”
صمود الإرادة المدنية ومعضلة الحياد الأخلاقية
أمام الصدمة الوجودية، يجمع المشاركون في التحقيق على أن اتخاذ موقف الوسط وإعلان “الحياد ورفض الحرب” بات يمثل الموقف الأكثر خطورة وتكلفة في تاريخ الدولة السودانية المعاصر، ومع ذلك، شكل الصمت والنظر والعمل على الأرض استراتيجية مواجهة صلبة لإرباك البندقية.
ويروي متطوع غرفة الخرطوم ملامح الصمود المدني والنداء الأخير الصادر من قلب الحصار ورغم الانشقاقات والانسحابات والتذمر الذي أصاب بعض أعضاء غرف الطوارئ تحت وطأة الابتزاز والتهديد الأمني، ورغم العزلة والتخوين التي فُرضت عليهم من قِبل الأطراف الموجودة في مناطق آمنة، استمرت النواة الصلبة من متطوعي توتي في أداء مهامها. اتخذ المتطوعون من ‘الصمت والنظر والعمل على الأرض’ إستراتيجية مواجهة، وهو الصمت الذي تحول إلى مصدر قلق وإرباك لطرفي النزاع اللذين يبحثان عن أي ثغرة لإدانة العمل المدني. وتخلص الشهادة إلى حقيقة راسخة: إن الوعي المدني يدرك تماماً أبعاد المخطط الذي يستهدف تدمير السودان وتقسيمه. ويبقى النداء الإنساني الموجه لطرفي الحرب من قلب توتي المحاصرة: لا تتخذوا العمل الإنساني وقوت المواطن وسيلة للضغط العسكري؛ فالإرادة الإنسانية لن تتوقف، والمطالبة بحياة كريمة، آمنة، ومتعافية هي الحق الأصيل لكل سوداني. كفى عبثاً ومهازل وتشتيتاً.. أوقفوا الحرب، فالسلام وحده هو ما يجمعنا.
ويضع متطوع غرفة حي الصحافة الصياغة الإنسانية المتطابقة للمعضلة الأخلاقية والمهنية “إن اتخاذ موقف الحياد في هذه الحرب هو الخيار الأصعب على الإطلاق؛ فعندما تقف في المنطقة الوسطى وتقول: ‘أنا لست مع هذا الطرف أو ذاك’، يتم تصنيفك فوراً كخائن وعميل. وعندما تنادي بوقف الحرب، تُوصم بالعمالة أيضاً؛ لأن هناك أطرافاً مستفيدة من استمرار هذا الدمار، سواء على الصعيد المادي أو لتحقيق مكاسب ومكانة مجتمعية على حساب دماء الأبرياء. في أي نزاع عسكري يحترم القوانين الدولية، يجب أن يحظى النشطاء المدنيون ومقدمو المساعدات بالاحترام والحماية، ويُسمح لهم بفتح مسارات آمنة لإدخال الإغاثة والعلاج دون تخوف. يمكن تفتيش الشاحنات بدقة للتأكد من خلوها من السلاح، ثم السماح بعبورها لإنقاذ المواطن البسيط. نسأل الله أن تقف هذه الحرب ويعم السلام؛ فالحرب دمار للأوطان، والجميع دفع الثمن نزوحاً وتشريداً ولجوءاً.. أوقفوا الحرب.. لا للحرب، نعم للسلام.”
وهنا تلتقي الرؤية القانونية للأستاذ أشرف أبو سمرة، والرؤية التحليلية للأستاذ ماهر أبو الجوخ، والشهادة المهنية للأستاذة صباح محمد الحسن، لتحديد القوام الأخلاقي للمرحلة الحالية أن “الحياد المهني مقصده وتطبيقه هو توازن المحتوى وتوفير المنصات والالتزام بقواعد العمل المهني، لكنه لا يعني أبداً الصمت أو اللامبالاة أمام الانتهاكات الصارخة تجاه المدنيين في أنفسهم أو ممتلكاتهم أو حرمانهم من الغذاء والدواء. الواجب الإنساني يفرض تعرية التخوين الممنهج ومحاولات تأميم الفضاء العام واحتكار الرواية عبر فوهة البندقية.”
من المحرر
ينتهي هذا التحقيق الاستقصائي إلى حقيقة بنيوية صادمة: إن النتاج الحتمي لهندسة التخوين الممنهج، وتجريم غرف الاستجابة الإنسانية، وتصفية الحسابات مع جيل ثورة ديسمبر، هو تدمير شامل ومخطط له لإفراغ الحيز المدني السوداني من شبكاته الحية. ورغم وجود أطراف خارجية تغذي هذا المستنقع بالدعم والتسليح، إلا أن الفاعل الحقيقي والأداة المنفذة هي الأطراف المحلية التي اختارت تغليب البروباغندا العسكرية العنيفة وسلاح التجويع على حساب أرواح وممتلكات المواطنين الأبرياء.
ويبقى عمل الصحافة المستقلة والشبكات المدنية مرهوناً بالقدرة العضوية على التمسك بـ”لسان الحقيقة” وفضح الفظائع مهما عظمت الفدية السياسية والجنائية المترتبة عليها. إن المخرج التاريخي الوحيد لمنع انزلاق البلاد نحو التفتت والانهيار الشامل يكمن في ضرورة صياغة “مشروع ثالث وسلس”يمتلك الشجاعة الفكرية لتفكيك نقاط الهشاشة التاريخية في الدولة السودانية، ويواجه الفراغ الدستوري بجرأة، ليفضي إلى تواثق وطني جديد على أساس مصلحة المدنيين العليا، يعاد فيه تعريف الوطن بناءً على محددات ثلاثة لا تنازل عنها:
مؤسسات حقيقية وقوية ومتوافق عليها تحمي النشاط الإنساني والمدني والشبابي المستقل وتمنع استهدافه عسكرياً.
أجهزة عدلية وقوانين صارمة وعادلة تجرم خطابات الكراهية، والتعبئة العرقية، والمناطقية، وتمنع توظيف القضاء والنيابات كـ”سلاح سياسي” لتصفية الأقلام الحرة والخصوم.
إرادة وجودية صادقة وصارمة تنهي العبث بلقمة عيش وصحة المدنيين في مناطق النزاع، وتؤسس لدولة المواطنة المتساوية، والتعايش السلمي، والعدالة الانتقالية الشاملة؛ كسودان للسودانيين جميعاً.






