
حوار: أشرف محمد السيد – الرياض
الإعلامي حمود والد: أحد الوجوه الإعلامية السعودية المميزة، التي استطاعت أن تحظى باحترام ومحبة كبيرة، بفضل أسلوبه الراقي، وطرحه الهادف، وحضوره الذي يجمع بين الأصالة والمهنية.
ضيفنا هو الإعلامي حمود والد، النموذج المتميز في الساحة الإعلامية، والمعروف باهتمامه العميق بقضايا المجتمع السوداني بصورة خاصة، والمشهور بشغفه بالتواصل الصادق مع الجمهور السوداني في مختلف فعالياته وحراكه الإبداعي، ليكون جسراً ممتداً نحو تعزيز أواصر المحبة والتقارب بين الشعوب.
في هذا الحوار، نفتح معه أبواب مسيرته، ونستكشف مصادر إلهامه، ورؤيته لرسالة الإعلام ودورها الحقيقي، وما يحمله من رؤى وتطلعات للمستقبل.
فأهلاً وسهلاً بك معنا يا أستاذ حمود، ومرحباً بك في لقائك مع أهلك ومحبيك.
كيف ومتى بدأت علاقتك الأولى بالسودان وأهل السودان؟ وهل هناك قصة أو شخص محدد كان له الفضل في غرس هذا الحب العميق في قلبك؟
البدايات دائماً محفورة في القلب، وعلاقتي بالسودان لم تكن مجرد صدفة عابرة، بل ارتبطت منذ صغري وطفولتي بقصة وفاء ومحبة حقيقية.
والفضل الأول في غرس هذا الحب العميق يعود إلى أسرة صديقي محمد عبدالله، وتحديداً والدته، ربنا يطول في عمرها ويحفظها، التي عاملتني كابن من أبنائها.
ومن خلال هذا البيت الكريم، تذوقت طعم الكرم السوداني الأصيل، وشعرت أنني لست غريباً، بل جزء من هذه العائلة. ومن هنا تسلل حب السودان وأهله إلى وجداني واستقر فيه.
تقول عبارة ترددها بكل فخر: «أنا سعودي في الهوية.. وسوداني في المحبة».. كيف تشرح لنا معنى هذه الكلمات بكل تفاصيلها ومشاعرها؟
أنا ابن هذه الأرض الطيبة، جذوري ممتدة في جازان الشامخة، ومسيرتي في الرياض الحبيبة، وهويتي السعودية هي دمي الذي يجري في عروقي.
لكن المحبة لا تعترف بالحدود الجغرافية؛ فقلبي ينبض بإيقاع المحبة لأهل السودان، وروحي تهتز مع ألحانهم.
هذه العبارة تختصر كيف يمكن للإنسان أن يحمل ولاءً مطلقاً لوطنه، وفي ذات الوقت يتسع صدره ليحتضن ثقافة شعب آخر أحبه بصدق، حتى صار جزءاً من تكوينه العاطفي.
الإعلامي حمود والد: «أنا سعودي في الهوية.. وسوداني في المحبة
كيف استطعت أن تتقن اللهجة السودانية بهذه الطلاقة، وتتعمق في دقائق عاداتهم وثقافتهم رغم اختلاف بيئتك؟
الأمر تجاوز مجرد تعلم المفردات، بل كان شغفاً حقيقياً وتنقيباً في الجذور.
لقد أبحرت في المراجع، وتأملت في جماليات اللهجة السودانية بمختلف تنوعاتها في أنحاء السودان الحبيب. وعندما تمازج هذا الشغف البحثي مع الجلسات اليومية والممازحات المتبادلة مع الأصدقاء، أصبحت اللهجة تنساب على لساني بعفوية.
لأنني لم أتعلمها بعقلي فقط، بل شربتها بقلبي وعشتها واقعاً في تفاصيل حياتي اليومية.
تربطك صداقات وثيقة ومميزة مع السودانيين.. ما أبرز القصص والمواقف الإنسانية التي عشتها معهم وتركت أثراً لا يُنسى في نفسك؟
القصص كثيرة، والمواقف لا تُعد، ولعل أبرزها تلك اللحظات الإنسانية والرحلات التي جمعتني برفقاء الدرب.
لا أنسى الأيام الجميلة والمواقف النبيلة التي عشتها مع إخوة أعتز بهم كثيراً، مثل أخي محمد عبدالله الذي غمرتني أسرته بكل الحب، وتلك الجلسات والذكريات العميقة مع أخي خالد كوفي وأخي أحمد فضل، حيث تتجلى دائماً معادن الرجال الحقيقية في كل موقف يجمعنا.
هذه اللحظات، بكل تفاصيلها وصدقها، حفرت في روحي معنى الأخوة الصادقة التي لا تغيرها الأيام ولا المسافات.
ما الذي يميز الإنسان السوداني في نظرك كصديق؟ وكيف أثرت هذه الصداقات على رؤيتك للحياة والعلاقات؟
الإنسان السوداني يتميز بالحنية الطاغية، والمروءة التي لا تنتظر مقابلاً.
الصديق السوداني لا يقف معك في أفراحك فقط، بل تجده يتصدر صفوفك في أحزانك وأزماتك قبل أن تطلب.
هذه الصداقات أعادت صياغة مفهومي للعلاقات الإنسانية، وعلمتني أن الصداقة ليست بطول السنين، بل بعمق المواقف، وأن البساطة والصدق هما أقصر طريق إلى القلوب.
كثيراً ما تحدثت عن محبتك للبيئة التي نشأت فيها صداقاتك.. هل تروي لنا قصة الجارة التي زرعت داخلك الحنية السودانية؟
تلك الجارة العظيمة لم تكن سوى والدة صديقي وأخي محمد عبدالله، ربنا يطول في عمرها ويحفظها.
لم تكن مجرد جارة عابرة، بل كانت سحابة دافئة أمطرت في وجداني أصدق مشاعر الأمومة والحنية السودانية الأصيلة.
لقد عاملتني كابن من أبنائها تماماً؛ في تفقدها لحالي، وفي كرمها العفوي، وفي دعواتها الصادقة التي تخرج من القلب.
بيئتها الطيبة التي احتضنتني كانت درساً عملياً في كيف يمكن للقلوب الصافية أن تخلق روابط أقوى من صلة الدم.
يُعرف عنك اقتناؤك واهتمامك النادر بمصادر المعرفة، فمتى بدأت رحلتك في جمع كتب التراث والمراجع الخاصة بالحقيبة السودانية والثقافة السودانية؟ وكيف بدأت هذه المكتبة تتشكل؟
بدأت الرحلة حين أدركت أن الفن السوداني ليس مجرد طرب، بل هو توثيق لتاريخ أمة.
بدأت بجمع التسجيلات القديمة، والبحث عن الأصول اللغوية والتاريخية للفنانين والشعراء. كنت أبحث عن القصص خلف الأغنيات، وعن السياق الثقافي الذي أنجب هؤلاء العظماء.
ومما أثرى هذه المكتبة وأعتز باقتنائه، مراجع قيمة مثل كتاب «تاريخ الموسيقى والغناء في السودان» للدكتور معاوية حسن ياسين، وكذلك المؤلفات الجميلة للدكتور حسن الجزولي، التي تغوص في عمق المجتمع والتاريخ.
وهكذا تشكلت يوماً بعد يوم مكتبة متكاملة من المعرفة البصرية والمقروءة والمسموعة.
ما أثر هذه الكتب والمقتنيات في تعميق معرفتك الحقيقية بالسودان وتاريخه وفنونه؟ وهل هناك مرجع أو كتاب معين كان بمثابة نقطة التحول في ثقافتك السودانية؟
هذه المراجع نقلتني من خانة المستمع المعجب إلى خانة الباحث المتيم.
مراجع مثل «تاريخ الموسيقى والغناء في السودان» وإصدارات الدكتور حسن الجزولي كانت بمثابة مرآة عكست لي كيف تشكل الوجدان السوداني، وكيف امتزجت الثقافات لتنتج هذا الإرث العظيم.
كل معلومة موثقة، وكل حكاية قرأتها، كانت تزيد من احترامي وتقديري لهذا البلد وشعبه، وأصبحت أرى اللوحة الثقافية السودانية بكل ألوانها الزاهية وتفاصيلها العميقة.
أما شغفك بحقيبة الفن فهو لافت للنظر.. من أين جاء هذا الاهتمام الخاص بهذا الفن العريق؟ وكيف تفسر استمرار بريقه في ذاكرتك وذاكرة الأجيال؟
الحقيبة هي ديوان العرب في العصر الحديث، وهي السهل الممتنع في الشعر، والعبقرية في اللحن.
استمرار بريقها يعود إلى صدق الكلمة وعمق الوصف.
عندما أتأمل في روائع شعراء الحقيبة الكبار، أمثال سيد عبدالعزيز وعمر البنا وغيرهما، وأغوص في مفرداتهم الخالدة، أدرك تماماً لماذا تعيش هذه الأعمال حتى اليوم.
لأنها كُتبت بدموع الشوق لا بحبر الأقلام، ولامست أوتار القلوب بصدق لا مثيل له.

نراك تُغني وتحفظ كلمات رواد الحقيبة بدقة مذهلة.. كيف تحافظ على هذا الأداء؟ وما سر هذا الارتباط الذي تشعر به وأنت تتغنى بهم؟
السر يكمن في المعايشة الصادقة.
أنا لا أحفظ الكلمات لأرددها فقط، بل أعيش حالتها الشعورية، وأتأمل في أداء عمالقة وفناني الحقيبة، أمثال محمد أحمد سرور والأمين برهان وغيرهما من الرواد الأوائل.
وهذا الارتباط تعمق أكثر من خلال جلساتي الفنية وحواراتي مع فنانين أصيلين، مثل الفنان القدير الطاهر غندور، وكذلك يوسف البربري وخالد الصحافة وغيرهم من المبدعين.
عندما أغنيها، أشعر وكأنني أستحضر أرواح أولئك الرواد، وأعيش معهم في تلك الحقبة الذهبية التي شكلت الوجدان الفني.
أنت اليوم سفير محبة وتقارب بين الشعبين.. كيف ترى مسؤولية هذا الدور، خاصة عبر منصاتك المتعددة؟
هي مسؤولية عظيمة وتاج أعتز به.
من خلال برنامجي ومنصاتي الإعلامية، أسعى دائماً إلى تسليط الضوء على هذه الروابط المتينة.
وأعتبر تكريم شخصيات وقامات سودانية لها ثقلها، مثل السفير كرار التهامي، جزءاً من رد الجميل، وتأكيداً على أننا شعب واحد في روحين، وأن منصاتي هي جسر ممتد للتواصل الفكري والثقافي الأصيل.
هل تحاول دائماً أن تُظهر للآخرين الوجه الحضاري والجميل للعلاقات السعودية السودانية؟ وكيف تتعامل مع ما يواجهه السودان من ظروف حالية؟
بكل تأكيد.
العلاقة بين الرياض والخرطوم ضاربة في جذور التاريخ، وفي ظل الظروف الحالية التي يمر بها السودان الحبيب، تتجلى معادن الأخوة.
نحن نتألم لألمهم، ونسأل الله أن تعود بلادهم كما عرفناها، واحة للأمن ومنارة للثقافة.
رسالتي دائماً هي بث الأمل، والتذكير بقوة وعزيمة هذا الشعب العظيم.
ما الرسالة التي تود إيصالها لشبابنا، سعوديين وسودانيين، بأهمية الحفاظ على التراث والتقارب بين الشعوب؟
رسالتي لهم أن التراث هو هويتكم وجذركم الذي يثبتكم في وجه عواصف التغيير.
والتقارب بيننا ليس خياراً، بل هو امتداد طبيعي لعروبتنا وإسلامنا وإنسانيتنا.
ابحثوا في المشتركات، وعززوا روابط الأخوة، ففي وحدتنا وتفهمنا لثقافات بعضنا البعض تكمن قوتنا الحقيقية.
هل هناك مشاريع مستقبلية تفكر فيها – ربما من خلال مكتبتك أو فنك – لتوثيق ونشر هذا الإرث الجميل؟
نعم، هناك الكثير من الأفكار التي أعمل عليها.
من خلال تجهيزات الاستوديو وبرامج المونتاج التي أستخدمها، أعمل على تقديم مشروعات وبرامج من بينها «حكاوي سودانية بعيون سعودية» وبودكاست «زول سعودي»، لتوثيق هذه الحكايات العظيمة، وتقديم التراث السوداني والفن الأصيل في قالب حديث يصل إلى الأجيال الجديدة، ويحفظ هذه الكنوز من الاندثار.
كلمة أخيرة توجهها لجمهورك الكريم، ولأصدقائك السودانيين بصفة خاصة، في ختام لقائنا؟
أقول: شكراً لأنكم تشاركونني هذا الحب وهذا الشغف.
ولأصدقائي وأحبابي السودانيين أقول: أنتم أهلنا وناسنا، محبتكم تاج على الرأس، وستظل قلوبنا في السعودية مفتوحة لكم قبل أبوابنا.
حفظكم الله وحفظ السودان، وأعاده شامخاً معافى كما يليق به وبكم.






