زوبعة الرواتب في فنجان الاقتصاد
نادو نيوز؛ أشرف محمد السيد؛ يكتب من الرياض

- (المقال يعبر عن رأي الكاتب)
في وقتٍ يُفترض أن تتجه فيه الأنظار نحو جراح الاقتصاد السوداني الغائرة، نحو الهدر المتفشي والموارد التي تتدفق بعيداً عن الوطن، يتحول المشهد فجأة إلى صراع جانبي، تُشعلها “زوبعة” حول رقم راتب محافظ بنك السودان. أصبح هذا الرقم هو العنوان الوحيد للنقاش العام، تُقارن فيه الأرقام ببعضها، وتُحلل وتُجادل، بينما يبقى جوهر الأزمة الحقيقية غائباً عن الأبصار وكأنه لا وجود له.المفارقة الأشد قسوة تظهر حين نرى الفجوة الهائلة بين هذا الحديث الضيق وواقع البلد المزري. ففي الوقت الذي نُشغل فيه أنفسنا بجدوى هذا الراتب من عدمه، تظل ثروات السودان وموارده الضخمة تتسلل من بين أيدينا لواذاً من أنظار رقيب الحق وميزان العدل، وتتجه نحو الخارج. وهذا لا يحدث في الخفاء أو عبر مسارات سرية، بل يتم تقريباً تحت سمع وبصر الجميع الذين أعمى الفساد أعينهم وقتل الخوف ضميرهم، ومن خلال القنوات الرسمية وتحت أعين الرقابة الحكومية التي لا يبدو أنها تُحرك ساكناً، ولا يهتزّ لها جفن.وإلى جانب هذا النزيف المفتوح، تقف ملامح الانهيار في كل زاوية: المشاريع التنموية تتراجع وتتدهور، المصانع تتوقف عن الدوران وتفقد قدرتها على الإنتاج، والبنية التحتية تتهدم ولا يوجد من يضع لها حلاً. لا صرخة تُسمع استنكاراً لهذا الخراب، ولا صوت يعلو للمطالبة بمحاسبة المسؤولين عن ضياع المستقبل. بدلاً من ذلك، ينحصر كل اهتمام الرأي العام والإعلام في خوض جدالٍ عقيم، هل يستحق محافظ البنك هذا المبلغ أم هو أعلى من حده؟
إن هذه المعركة الجانبية تُشبه تماماً من يُشغل نفسه بمناقشة سعر الكوب، بينما يشتعل الحريق في جميع أرجاء المنزل. إن انشغالنا بهذه التفاصيل يُعتبر هروباً من مواجهة الحقائق الكبرى، وتجاهلاً لوضع اقتصادي مُخزٍ لا يُعالج بتصفية الحسابات حول رواتب الأفراد، بل بوقف النزيف، واستعادة السيطرة على الموارد، ومحاسبة كل من تقاعس أو تواطأ.
فما فائدة أن نكون دقيقين في تقدير رواتب المسؤولين، ونغض الطرف عن مليارات تخرج من خزينة الدولة وثروات الأرض دون أن يُسأل أحد؟ وما جدوى المقارنة بين رواتبهم وأجور الموظفين البسطاء المنهكين، والمؤسسات العامة تنهار والاقتصاد يُعاني من شللٍ تام؟ لقد حان الوقت لنسكب ما في أيدينا من “فنجان” الجدالات الجانبية، وننظر بجرأة إلى عمق الأزمة، إلى أين يذهب مال السودان؟ ومن يُسمح بضياعه؟ وكيف نعيد بناء ما تهدم؟
فالسكوت عن الجوهر والانشغال بالجزئيات لن يُصلح حالاً، بل سيجعل “زوبعة” الرواتب غطاءً شفافاً يُخفي عورة الفساد وسوء الإدارة، حتى لا نرى الحال إلا وقد استفحل الخراب، وفات الأوان على مجرد الحديث.
إيميل
ashrafelsayid@gmail.com






