«بنكك».. بين العطل الفني والقرار الاقتصادي الخفي

أشرف محمد السيد؛ يكتب من الرياض
ashrafelsayid@gmail.com
«بنكك».. بين العطل الفني والقرار الاقتصادي الخفي
أصبح تطبيق «بنكك» التابع لبنك الخرطوم جزءاً أساسياً من الحياة المالية اليومية لملايين السودانيين، في ظل التراجع الكبير في استخدام النقد الورقي والاعتماد المتزايد على المعاملات الإلكترونية.
ومع تكرار تذبذب الخدمة أو توقفها، لا يتوقف الأثر عند تعذر تحويل الأموال بين الأفراد، بل يمتد إلى الأسواق والمتاجر ووسائل النقل وغيرها من الأنشطة التي أصبحت تعتمد بدرجة كبيرة على الدفع الإلكتروني.
وقد اعتذر بنك الخرطوم مؤخراً لعملائه عن تذبذب خدمة «بنكك» لدى بعض المستخدمين، موضحاً أن فرقه الفنية تعمل على تطوير الخدمة ومعالجة التحديات التقنية لضمان استقرارها.
Altabia +١
لكن تكرار المشكلة يفتح الباب أمام سؤال اقتصادي أكبر: هل ما يحدث مجرد مشكلة تقنية متكررة، أم أن وراءها عوامل مالية واقتصادية أعمق؟
السيولة.. الحلقة الأضعف
لا يمكن قراءة أزمة «بنكك» بمعزل عن الأزمة النقدية التي يعيشها السودان. فشح السيولة النقدية، واضطراب النظام المصرفي، وتداعيات الحرب على البنية التحتية والاقتصاد، كلها عوامل تؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة في قدرة المواطنين والتجار على إجراء معاملاتهم.
وقد أظهرت تقارير محلية حديثة أن تذبذب التطبيقات المصرفية، وعلى رأسها «بنكك»، تسبب في إرباك حركة البيع والشراء في عدد من أسواق الخرطوم، في وقت أصبحت فيه شريحة واسعة من المواطنين تعتمد على الدفع الإلكتروني بصورة شبه يومية.
العهد أونلاين | سبق – مصداقية
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل أزمة «بنكك» تقنية فقط، أم أنها انعكاس لأزمة السيولة والاقتصاد الأوسع؟
الإجابة المهنية تقتضي الحذر؛ إذ لا توجد، حتى الآن، أدلة منشورة تثبت أن توقف التطبيق يُستخدم عمداً كأداة لإدارة السيولة أو للحد من حركة الأموال. ولذلك فإن مثل هذا الاحتمال يحتاج إلى بيانات مصرفية وتحليل مستقل، لا إلى الاستنتاج وحده.
ضغط متزايد على البنية الرقمية
هناك عامل آخر لا ينبغي تجاهله، وهو الارتفاع الكبير في الاعتماد على الخدمات المصرفية الرقمية.
فكلما اتجه المزيد من المواطنين والتجار إلى «بنكك» لإجراء معاملاتهم اليومية، أصبحت استمرارية الخدمة مسألة تتجاوز حدود التطبيق نفسه، لتلامس استقرار النشاط الاقتصادي.
وعندما تتوقف الخدمة، يجد المواطن نفسه أمام خيارات محدودة: الانتظار، أو البحث عن السيولة النقدية، أو اللجوء إلى وسائل دفع بديلة.
وقد وثقت تقارير صحفية حديثة حالات اضطر فيها مواطنون إلى تأخير معاملات أو البحث عن بدائل بسبب عدم استقرار التطبيقات المصرفية.
Ultra Sudan
هل المشكلة في «بنكك» وحده؟
ربما يكون من الخطأ تحميل تطبيق واحد كامل أزمات النظام المصرفي السوداني.
فالمشكلة الأكبر ترتبط ببيئة اقتصادية ومصرفية تعمل تحت ضغط الحرب، وتراجع البنية التحتية، وصعوبة الاتصالات، وشح السيولة، وتغير أنماط التعامل المالي.
لكن في المقابل، فإن الاعتماد الكبير على منصة مصرفية واحدة يضاعف أثر أي عطل فيها.
وهنا تظهر أهمية المنافسة وتعدد وسائل الدفع، ليس فقط من أجل راحة العملاء، وإنما لضمان استمرارية النشاط الاقتصادي وتقليل المخاطر الناجمة عن الاعتماد على قناة واحدة.
من يتحمل كلفة التعطل؟
المشكلة لا تتعلق فقط بقدرة المواطن على إرسال المال.
فالتاجر الذي لا يستطيع استلام قيمة بضاعته، والراكب الذي يعجز عن دفع أجرة النقل، والأسرة التي تنتظر تحويلاً مالياً، والموظف الذي يعتمد على التحويل الإلكتروني؛ جميعهم يتحملون جزءاً من كلفة عدم استقرار الخدمة.
وفي اقتصاد يعاني أصلاً من ضغوط الحرب والتضخم وتراجع القوة الشرائية، يمكن أن يتحول العطل التقني المتكرر إلى مشكلة اقتصادية واجتماعية حقيقية.
الشفافية قبل التكهنات
إذا كانت المشكلة تقنية، فإن من حق العملاء معرفة طبيعتها بصورة أوضح، وما الذي يجري لمعالجتها، وما الإجراءات التي اتخذت لمنع تكرارها.
وإذا كانت هناك عوامل مرتبطة بالسيولة أو بالسياسة النقدية أو بإدارة المخاطر المصرفية، فإن الأمر يحتاج إلى توضيح من الجهات المختصة.
أما تحويل كل توقف إلى دليل على وجود «قرار اقتصادي خفي»، من دون أدلة، فقد يقود إلى استنتاجات لا تستند إلى معلومات كافية.
وهنا تكمن أهمية الشفافية المصرفية: كلما غابت المعلومات، اتسعت مساحة التكهنات.
الخلاصة
تكرار تعطل «بنكك» يستحق أكثر من مجرد الاعتذار عن عطل فني؛ لأنه يكشف مدى اعتماد الاقتصاد السوداني والمواطنين على البنية المصرفية الرقمية في ظل ظروف استثنائية.
ولا يمكن الجزم بأن وراء الأعطال المتكررة قراراً اقتصادياً متعمداً، لكن من المشروع طرح الأسئلة حول علاقتها بأزمة السيولة، والبنية التحتية المصرفية، والاتصالات، والسياسات النقدية.
والحل لا يكمن في تحسين التطبيق وحده، بل في إصلاح البيئة المصرفية والاقتصادية التي يعمل داخلها التطبيق، وتوسيع خيارات الدفع، وتعزيز البنية الرقمية، وزيادة الشفافية، وضمان حق العملاء في الحصول على خدمة مستقرة وموثوقة.
فاستقرار الاقتصاد الرقمي لا يُصنع في غرف البرمجة وحدها، بل يبدأ من استقرار النظام المصرفي والسياسة النقدية والاقتصاد الحقيقي.






