
سِتَار:
لطالما كانت الصحافة، سواء الرقمية منها أو الكلاسيكية، سيّان في جوهر رسالتها، كما أن مختلف مسارات علم الإعلام والاتصال، ولا سيما المرئي والمسموع منها، تمثل مرآةً للمجتمعات، تعكس واقعها وتحولاتها وقضاياها.
ولا يتقازم الدور المناط بالإعلام، بل يتعاظم، خصوصًا في نثر الوعي ونشر المعرفة والتثقيف الذي يرتقي بشرائح المجتمع وفئاته كافة. كما لا ينبغي أن ينتفي تأثيره، لارتباطه الوثيق بتوثيق الحضارة والإرث الإنساني، وحفظ الذاكرة الجمعية للمجتمعات.
وفي هذا السياق، أستصحب ما خطّه يراع الصحافي والكاتب الإنجليزي كريستوفر هيتشنز غير ذي مرة، في حديثه عن أثر الكتابة والنشر، وإبقاء الكاتب على صلة بجمهوره ومحيطه؛ إذ يرى أن نشر الكتاب لا يعني نهاية الرحلة، بل يفتح بابًا للتواصل مع أشخاص كان حريًّا بالكاتب أن يستمع إلى آرائهم قبل أن يتورط في تمرير القلم على الورق؛ فهم يكتبون له، ويهاتفونه، ويحضرون فعاليات نشر كتبه، ويقترحون عليه قراءات كان يجدر به أن يقرأها من الأساس.
وفي هذه الإشارة ما يكشف بجلاء عن مدى التأثير الإيجابي الذي يفترض أن تصنعه وسائط الإعلام والاتصال، في سبيل الارتقاء بالجمهور المستهدف، وتوسيع مداركه، وإثراء معارفه، وتعزيز صلته بقضايا مجتمعه.
وَمْضَة على العُمق:
«إنه صوتي أنا».. تبدو هذه العبارة فاخرة من فرط جاذبيتها، إذ إنها توحي حتمًا بلفت الانتباه الإنساني بحسّه، وبمكامن شعوره اليقظة والحية تجاه حدث ما، أو ربما تجاه شيء ما.
والغالب، على أية حال، أن البشر ينجذبون بديهيًا إلى كل ما يمكنه أن يضيف جديدًا، ويثري ذاكرتهم، ويغذيها بمعلومة أو معرفة، سيّان؛ فالطبيعة البشرية لم تُجبل عبثًا على الفضول، ولا على الرغبة الدائمة في الاكتشاف والسؤال ومعرفة ما يدور من حولها.
ولا شك في أن فن الإعلام، بمختلف مساراته وتخصصاته، عطفًا على وسائله المتعددة، قد اكتسب هذه الهالة لدى الناس؛ فقد التصق الإعلام بالإنسان منذ الأزل، وعرفه الإنسان منذ وجوده الأول على الأرض.
ووفقًا للمؤرخين، لم يكن الإعلام وليدًا شرعيًا لحضارة أو ثقافة بعينها، كما لم يرتبط تاريخيًا بعصر دون غيره؛ بل تمرحل وتدرّج رفقة الإنسان عبر آلاف القرون والسنوات، على مر العهود والحقب والأزمنة، متخذًا أشكالًا متعددة وفق ابتكارات العقل البشري واحتياجاته وإمكاناته المتاحة، إيذانًا بتطور الاتصال الإنساني، وبالأدوات التي حملت الرسائل والمعارف برًا وبحرًا، سندًا إلى فاعليتها وجدواها وفقًا لما كان متاحًا في كل مرحلة.
إلى أن صدحت انطلاقة الوسائل الإعلامية الكلاسيكية المكتوبة وغير الناطقة، من الصحف وغيرها، مرورًا بظهور وسائل الاتصال الناطقة، من الإذاعة والتلفاز والسينما، يسبقها الهاتف أيضًا، وصولًا إلى إعلان وسائط الاتصال الرقمية عن حضورها الطاغي مع شبكة الإنترنت في عصرنا الراهن.
إنه عصر استحواذ «الترند» ووسائل التواصل الاجتماعي على المشهد الاتصالي والإعلامي في كثير من الأحيان، إلى جانب صحافة التابلويد وما صاحبها من تحولات في صناعة الخبر وتلقيه.
ولعل كل ذلك أورث العبارة الأثيرة والمؤثرة، المحتشدة بالقوة: «إنه صوتي أنا.. أنا هاهنا»، شيئًا من الحضور الطاغي، وحمّلها البعض ما يفوق احتمالها، في حمى اللاهثين والمتطفلين على أعتاب بلاط «صاحبة الجلالة»، بحثًا عن تصدّر الترند بأي ثمن، ودون اكتراث كافٍ بحدود المهنة ومسؤوليتها.
لكن في الواقع، فإن نجاح أي وسيط إعلامي يتكئ، قطعًا، على مدى وحجم التأثير الإيجابي الذي يُحدثه في جمهوره ومجتمعه.
فالإعلامي الحقيقي يلتزم التزامًا تامًا بما يتسق مع المعايير المهنية، ويعتمد على المصادر الموثوقة، ويتحرى الدقة قبل نشر المعلومات، وقد يعرّض الصحافي حياته للخطر والمخاطرة في أحايين كثيرة، في سبيل الوصول إلى الحقيقة ونقلها.
ويسعى الإعلامي المهني دائمًا إلى مراجعة المعلومة والتحقق منها قبل استعراضها وتمليكها للمتلقي الكريم، وللملايين من الناس عبر الوسائط الإعلامية المختلفة. ويرتقي عن نشر الشائعات والأخبار الزائفة، وينأى بأدواته عن كل ما يشوب المهنة من تضليل أو تزييف أو استسهال للمعلومة.
ذلك كله من أجل أن يؤدي الإعلام دوره، ويحمل رسالته الإنسانية الخالدة، التي ترتقي بالمجتمع وتحصّنه بالوعي والمعرفة.
وهنا يكمن جوهر التميز والاختلاف بين الإعلامي الحقيقي، المتخصص والمحترف في بحر مجاله، وبين كثير من الناشطين الذين تكتظ بهم منصات التواصل الاجتماعي؛ إذ تعمل بعض هذه المنصات، في أحيان كثيرة، بطريقة مشوشة لا تولي دقة المعلومة ما تستحقه من اهتمام، ولا تتوقف بما يكفي عند مدى صدقيتها، ناهيك عن التحقق منها قبل تداولها ونشرها.
ففي حضرة «صاحبة الجلالة»، لا يكفي أن يكون للإنسان صوت؛ الأهم أن يكون لهذا الصوت معنى، وأن يستند إلى الحقيقة، وأن يتحمل مسؤولية ما يقول، وأن يدرك أن الكلمة، مهما بدت عابرة، قد تصنع وعيًا، أو تضلل مجتمعًا، أو تحفظ ذاكرة أمة.
وهنا تحديدًا، تتجلى قيمة الإعلام الحقيقي؛ ليس في ارتفاع الصوت، ولا في سرعة الوصول إلى الترند، وإنما في القدرة على صناعة أثرٍ إيجابي، وإعلاء قيمة الحقيقة، والانحياز إلى وعي الإنسان وحقه في المعرفة.
فـ«إنه صوتي أنا» لا ينبغي أن تكون مجرد صرخة بحثًا عن الانتباه، بل مسؤولية تقول: أنا هاهنا.. لأقول ما يستحق أن يُقال، ولأتحمل مسؤولية ما أقول.






