الجنيه السوداني بين عذر الحرب وفشل الإدارة

نقاط الحروف
أشرف محمد السيد
بينما يواصل الجنيه السوداني تراجعه أمام العملات الأجنبية، وتتسارع وتيرة ارتفاع الأسعار بصورة تفوق قدرة المواطنين على الاحتمال، تتجه التفسيرات الرسمية في كثير من الأحيان إلى تحميل الحرب مسؤولية التدهور الاقتصادي وانعكاساته على قيمة العملة والأسواق.
ولا شك أن الحرب تركت آثارًا بالغة القسوة على الاقتصاد السوداني؛ فقد عطّلت الإنتاج، وأربكت حركة التجارة، وألحقت أضرارًا بالبنية التحتية والمؤسسات، وأثرت في الإيرادات والصادرات وسلاسل الإمداد. ومن غير المنطقي تجاهل هذه العوامل عند قراءة المشهد الاقتصادي الراهن.
لكن السؤال الأهم هو: هل تكفي الحرب وحدها لتفسير كل ما يحدث؟
الحرب قد تكون عاملًا رئيسيًا في تعميق الأزمة، لكنها لا تلغي مسؤولية الإدارة الاقتصادية عن التعامل معها. فالأزمات الكبرى تحتاج إلى سياسات استثنائية، وإدارة رشيدة للموارد المحدودة، وشفافية في القرارات، ورقابة فعالة على الأسواق، وخطط واضحة للحد من آثار الانهيار على المواطنين.
كما أن المشكلات الاقتصادية التي سبقت اندلاع الحرب لا يمكن تجاهلها عند تحليل الوضع الراهن. فقد كان الاقتصاد السوداني يواجه اختلالات وتحديات متعددة، وظلت العملة تحت ضغوط متواصلة، الأمر الذي يجعل الحرب جزءًا من المشهد، لا تفسيرًا وحيدًا له.
الجنيه السوداني لا يعيش أزمته في فراغ. فتراجع قيمة العملة ينعكس بصورة مباشرة على أسعار السلع والخدمات، بينما تتآكل القوة الشرائية للرواتب والدخول، ويجد المواطن نفسه أمام معادلة قاسية: دخل محدود في مواجهة أسعار تتغير بصورة متسارعة.
وفي مثل هذه الظروف، لا يكفي أن تقول الحكومة إن الحرب هي السبب؛ بل يحتاج المواطن إلى معرفة ما الذي تفعله الدولة لمواجهة آثار الحرب؟
أين خطط إدارة النقد الأجنبي؟ وكيف تتم حماية الموارد المتاحة؟ وما الإجراءات المتخذة لضبط الأسواق والحد من المضاربات؟ وكيف تُدار الإيرادات العامة والموارد الحيوية؟ وما مدى فاعلية السياسات المتخذة لحماية الفئات الأكثر تضررًا من التضخم وتراجع القوة الشرائية؟
هذه ليست أسئلة سياسية بقدر ما هي أسئلة اقتصادية وحقوقية تمس حياة ملايين السودانيين.
فالشفافية في إدارة الأزمة لا تعني إنكار أثر الحرب، كما أن الاعتراف بأثر الحرب لا ينبغي أن يتحول إلى إعفاء الإدارة من المساءلة. وبين الأمرين مساحة واسعة من المسؤولية ينبغي أن تُملأ بالسياسات والحلول، لا بالتبرير وحده.
الحرب كشفت هشاشة قطاعات عديدة، لكنها في الوقت نفسه جعلت الحاجة إلى الإدارة الاقتصادية الرشيدة أكثر إلحاحًا. ففي الأزمات، تصبح الموارد أكثر ندرة، وتصبح تكلفة القرار الخاطئ أعلى، ويصبح غياب الرقابة أكثر خطورة على المجتمع.
ولذلك فإن إنقاذ الجنيه السوداني لا يمكن اختزاله في إجراءات نقدية منفردة، وإنما يحتاج إلى رؤية اقتصادية متكاملة تتعامل مع الإنتاج، والصادرات، والإيرادات، والنقد الأجنبي، والأسواق، والاستثمار، والإنفاق العام، إلى جانب حماية القوة الشرائية للمواطنين قدر الإمكان.
كما أن أي إصلاح حقيقي يحتاج إلى محاسبة مؤسسية واضحة، لا تقوم على البحث عن كبش فداء، وإنما على تحديد المسؤوليات، وقياس أداء السياسات، وتصحيح الأخطاء عندما تظهر نتائجها.
الجنيه السوداني لا يحتاج إلى بيانات تبريرية بقدر حاجته إلى سياسات تعيد الثقة إلى الاقتصاد، وإجراءات تعالج جذور الأزمة، وإدارة تدرك أن الأرقام الاقتصادية ليست مجرد مؤشرات في التقارير؛ وإنما هي انعكاس مباشر لحياة الناس.
لا أحد يطلب من الإدارة الاقتصادية أن تصنع المعجزات في زمن الحرب، لكن من حق المواطن أن يرى خطة واضحة، وقرارات قابلة للقياس، ومعلومات شفافة، ومسؤولية عن النتائج.
فإلى متى نظل نعالج النتائج ونتجاهل الأسباب؟ وإلى متى تبقى الحرب تفسيرًا جاهزًا لكل إخفاق اقتصادي، بدل أن تكون دافعًا لبناء إدارة أكثر كفاءة وشفافية وقدرة على حماية ما تبقى من مقومات الاقتصاد؟
قد تكون الحرب قد دفعت الاقتصاد السوداني إلى حافة الهاوية، لكن الخروج من هذه الهاوية لن يتحقق بإلقاء المسؤولية على الحرب وحدها؛ بل يحتاج إلى إصلاح السياسات، وتحسين الإدارة، وتعزيز الرقابة، ومحاسبة مؤسسية، ورؤية اقتصادية تضع المواطن في قلب عملية الإنقاذ.





