القرار 108 بين حصر البيانات واختبار جدية العودة لمؤسسات الدولة
نادو نيوز – نقاط الحروف

كتب؛أشرف محمد السيد
أصدر مجلس الوزراء الانتقالي القرار رقم (108) لسنة 2026م، بتاريخ 17 أغسطس 2026م، قضى بقيام مسؤولي ومنسوبي أجهزة الدولة بالتبليغ الفوري والعودة إلى مواقع عملهم، خلال مهلة تمتد خمسة وأربعين يومًا من تاريخ صدوره.
وعقب صدور القرار، نقلت سفارة السودان لدى المملكة العربية السعودية التوجيه رسميًا، داعيةً المعنيين من المقيمين خارج البلاد إلى الالتزام بما جاء فيه، باعتباره قرارًا صادرًا عن السلطة التنفيذية.
وبحسب التوجيه، يُطلب من الموظف تحديد موقعه الحالي، وحالته الوظيفية، ووسائل الاتصال به، مع الدعوة إلى استئناف العمل في مقر وظيفته الأصلية. وتنتهي المهلة المحددة للعودة في أوائل أكتوبر 2026م.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل انتهت ترتيبات العودة، أم أن العملية لا تزال في بدايتها؟
حتى الآن، تبدو العملية أقرب إلى مرحلة حصر البيانات وتحديث السجلات الوظيفية منها إلى عودة فعلية واسعة إلى مواقع العمل. فقد بدأت عملية تسجيل البيانات المتعلقة بمواقع الموظفين وإقاماتهم ووسائل التواصل معهم، وهي خطوة ضرورية لمعرفة حجم القوة العاملة التي لا تزال مرتبطة بمؤسسات الدولة بعد أكثر من ثلاثة أعوام على اندلاع الحرب.
غير أن الحصر لا يمثل سوى المرحلة الأولى.
فالمرحلة التالية يفترض أن تتمثل في توجيه الموظفين القادرين على العودة، كلٌّ بحسب موقعه وظروفه الأمنية والخدمية، إلى مباشرة أعمالهم فعليًا، متى توافرت المقار والاحتياجات الأساسية لاستئناف النشاط.
وهنا تبدأ الأسئلة الأصعب.
فالحرب لم تُغيّر أماكن إقامة الموظفين فحسب، بل ألحقت أضرارًا كبيرة بالبنية المؤسسية نفسها. بعض المقار تعرض للدمار أو التخريب، وشبكات الاتصال والخدمات لا تزال تواجه مشكلات، كما أن الأوضاع الأمنية والمعيشية تختلف من منطقة إلى أخرى.
لذلك فإن القرار، مهما كانت قوة صياغته، لا يستطيع وحده أن يضمن عودة الموظف إلى مكتب غير جاهز، أو إلى بيئة لا تتوافر فيها مقومات العمل الأساسية.
ومن هنا يمكن النظر إلى القرار رقم (108) من زاويتين متلازمتين.
الأولى هي استعادة قاعدة البيانات الوظيفية للدولة.
فبعد سنوات الحرب والنزوح والهجرة وتوقف أو اضطراب العمل في عدد كبير من مؤسسات الدولة، أصبحت معرفة مواقع الموظفين وأوضاعهم الوظيفية مسألة أساسية لإعادة تنظيم الجهاز الإداري. ومن هذه الزاوية، فإن القرار يمثل محاولة لإعادة ترتيب السجلات ومعرفة من لا يزال مرتبطًا بالمؤسسة، ومن انقطعت صلته بها.
أما الزاوية الثانية فهي اختبار قدرة الدولة على تحويل القرار الإداري إلى واقع عملي.
فالعودة لا تعني مجرد تسجيل الاسم والعنوان ورقم الهاتف، وإنما تعني وجود مؤسسة قادرة على استقبال موظفيها، ومقر صالح للعمل، ووسائل تشغيل، وأمن مقبول، وأجر يمكن الموظف من الاستمرار في أداء مهمته.
وهنا تحديدًا تكمن الفجوة بين القرار والتنفيذ.
فهل يُطلب من الموظف العودة دون ضمان مقعد عمل، أو مرتب منتظم، أو بيئة آمنة؟
هذا السؤال لا ينتقص من أهمية القرار، لكنه يضع التنفيذ أمام مسؤولياته الحقيقية. فنجاح عملية العودة لن يقاس بعدد الاستمارات التي جرى ملؤها، وإنما بعدد الموظفين الذين عادوا إلى مؤسساتهم واستأنفوا أعمالهم بصورة منتجة ومستقرة.
أما السفارات السودانية في الخارج، ومنها سفارة السودان في الرياض، فتؤدي دورًا مهمًا في نقل التوجيهات والتواصل مع الموظفين الموجودين خارج البلاد. لكنها، في الوقت نفسه، لا تملك وحدها أدوات ضمان العودة الفعلية، خصوصًا في ظل تعدد الظروف القانونية والمعيشية والأمنية للمقيمين خارج السودان.
وهنا تبدو الحاجة إلى ما هو أبعد من التوجيه الإداري: حزمة واضحة من الضمانات والحوافز والترتيبات العملية التي تجعل العودة ممكنة وقابلة للاستمرار.
كما أن تحديد مهلة زمنية للعودة يفتح الباب أمام مرحلة جديدة بعد انتهائها، إذ قد تترتب عليها إجراءات بحق من لم يلتزموا بالتوجيه، بحسب ما تقرره الجهات المختصة.
وعندها يمكن أن تتضح صورة أحد مسارين رئيسيين.
المسار الأول أن تستجيب أعداد كبيرة من الموظفين تدريجيًا، بالتزامن مع تحسن جاهزية المؤسسات، بما يشكل مؤشرًا على بدء استعادة الجهاز الإداري لقدر من عافيته.
أما المسار الثاني، فهو أن يظل الإقبال محدودًا بسبب الأوضاع الأمنية والمعيشية وعدم جاهزية بعض المؤسسات، وحينها سيكشف القرار حجم الفجوة بين الرغبة في استعادة مؤسسات الدولة والقدرة الفعلية على إعادة تشغيلها.
في النهاية، القرار رقم (108) ليس حلًا لأزمة الخدمة المدنية، لكنه قد يكون خطوة أولى في طريق طويل لإعادة بناء الجهاز الإداري الذي أنهكته الحرب.
أهميته الحقيقية لن تتحدد في صياغته أو في عدد الاستمارات التي جرى تسجيلها، وإنما في ما سيحدث بعد ذلك.
فالعودة الحقيقية لا تُفرض بالقرار وحده، بل تُبنى بتهيئة الظروف التي تجعل الموظف قادرًا على العودة، وراغبًا فيها، وقادرًا على أداء عمله بصورة مستقرة.
فإذا نجحت الدولة في تحويل التبليغ إلى عودة فعلية ومنتجة، فإن القرار سيكون قد قطع خطوة مهمة في طريق استعادة مؤسساتها.
أما إذا بقي الأمر حبيس البيانات والاستمارات، فقد يتحول القرار إلى وثيقة أخرى في سجل الحرب، دون أن يترك أثرًا ملموسًا في واقع الدولة ومؤسساتها.






