اعلانك هنا يعني الانتشار

أعلن معنا
الأخبارالإجتماعيةالرأيالمجتمع

ضعف عضلة القلب المرتبط بالولادة: ما الذي ينبغي أن تعرفه كل امرأة وكل أسرة

نادو نيوز؛ كبسولة وعي

حين يتعب القلب بعد الولادة

في الأسبوع الثالث بعد ولادة طفلتها الأولى، لم تعد سارة تنام كما كانت. صارت تسند ظهرها إلى ثلاث وسائد، وتستيقظ في منتصف الليل لاهثة كأنها خرجت للتو من جري طويل.

قالت لها أمها: «إنه الإرهاق، وكل الأمهات يمررن به».

وقالت سارة لنفسها: «سأرتاح غدًا».

لكن الغد جاء بقدمين منتفختين، وسعال جاف يزداد ليلًا، وخفقان لا تعرف له سببًا. ثم أصبحت عاجزة عن صعود درج واحد وهي تحمل طفلتها.

هذا المشهد متخيّل، لكنه يشبه حالات قد تصل إلى عيادات القلب بعد الولادة. وتكمن خطورة المشكلة في أن أعراضها قد تتشابه في بدايتها مع الإرهاق الطبيعي المصاحب للحمل والنفاس.

الاسم الطبي للحالة هو اعتلال عضلة القلب حول الولادة (Peripartum Cardiomyopathy).

ما هو اعتلال عضلة القلب حول الولادة؟

هو ضعف في عضلة القلب يظهر عادةً في أواخر الحمل أو خلال الأشهر الأولى بعد الولادة، من دون وجود سبب آخر يفسر ضعف العضلة.

في هذه الحالة تضعف قدرة القلب، وخصوصًا البطين الأيسر، على ضخ الدم بكفاءة. ويُقيّم الأطباء ذلك باستخدام تخطيط صدى القلب «الإيكو»، الذي يقيس من ضمن ما يقيسه الكسر القذفي (EF)، أي نسبة الدم التي يضخها البطين الأيسر مع كل ضربة قلب.

ويُعد انخفاض الكسر القذفي إلى أقل من نحو 45% من العلامات الأساسية التي تدخل في تشخيص اعتلال عضلة القلب حول الولادة، لكن التشخيص لا يعتمد على الرقم وحده، بل على الصورة السريرية والفحوص واستبعاد الأسباب الأخرى لضعف القلب.

لماذا يحدث؟

لا يوجد سبب واحد مؤكد للحالة حتى الآن، ويُعتقد أنها ترتبط بتداخل عدة عوامل، من بينها التغيرات الهرمونية التي تحدث أثناء الحمل وبعد الولادة، والتغيرات التي تصيب الأوعية الدموية الدقيقة، والإجهاد الخلوي والالتهاب، إضافة إلى الاستعداد الوراثي لدى بعض النساء.

والأهم أن تعرف المرأة أن الإصابة ليست نتيجة خطأ ارتكبته، ولا تعني أنها أهملت نفسها أو تناولت نوعًا معينًا من الطعام.

وهي حالة غير شائعة، لكن معدل حدوثها يختلف بصورة واضحة بين الدول والمناطق، وقد يكون أعلى في بعض المجتمعات الأفريقية.

متى يحدث؟

يظهر المرض غالبًا في الشهر الأخير من الحمل أو خلال الأشهر الأولى بعد الولادة، ويكون ظهوره شائعًا خلال الأسابيع الأولى بعد الولادة.

لذلك، لا ينبغي تجاهل الأعراض المقلقة لمجرد مرور أسابيع أو شهرين على الولادة.

وهناك عوامل قد تزيد احتمال الإصابة، منها:

– العمر الأكبر نسبيًا، خاصة بعد سن الثلاثين.
– الحمل المتعدد، مثل الحمل بتوأم.
– ارتفاع ضغط الدم أو تسمم الحمل.
– وجود تاريخ عائلي لاعتلال عضلة القلب.
– بعض العوامل الوراثية والعرقية التي ارتبطت بارتفاع معدلات الإصابة في دراسات مختلفة.

لكن وجود هذه العوامل لا يعني حتمية الإصابة، كما أن غيابها لا يستبعد المرض.

كيف تظهر الأعراض؟

قد تبدأ الأعراض بصورة بسيطة ثم تزداد خلال أيام أو أسابيع. ومن أبرزها:

– ضيق النفس عند بذل جهد بسيط، وقد يتطور إلى ضيق نفس أثناء الراحة.
– صعوبة الاستلقاء، أو الاستيقاظ ليلًا بسبب ضيق النفس.
– تورم القدمين والكاحلين.
– زيادة سريعة وغير معتادة في الوزن خلال فترة قصيرة.
– سعال مستمر، خاصة أثناء الليل.
– خفقان أو دوخة.
– إرهاق شديد لا يتناسب مع المجهود.
– ألم أو ثقل في الصدر في بعض الحالات.

وهنا تكمن الصعوبة؛ لأن بعض هذه الأعراض قد تحدث بدرجات مختلفة أثناء الحمل أو بعد الولادة.

لكن ازدياد شدة الأعراض، أو ظهورها بصورة مفاجئة، أو عدم تحسنها بالراحة، أو منع المرأة من النوم مستلقية، كلها علامات تستحق التقييم الطبي.

متى تصبح الحالة طارئة؟

اطلبي الرعاية الطبية العاجلة أو توجهي إلى قسم الطوارئ إذا ظهر:

– ضيق نفس شديد أثناء الجلوس أو الراحة.
– سعال مصحوب برغوة وردية أو دم.
– ألم شديد أو مستمر في الصدر.
– إغماء أو شبه إغماء.
– خفقان شديد أو سريع ومستمر.
– تدهور مفاجئ في الحالة العامة.
– تورم أو ألم مفاجئ في ساق واحدة، خصوصًا إذا صاحبه ضيق نفس.

هذه الأعراض قد تشير إلى مضاعفات خطيرة، ولا ينبغي انتظار تحسنها تلقائيًا.

كيف يُشخّص؟

يبدأ التشخيص بالاستماع إلى الأعراض والفحص السريري، ثم قد يطلب الطبيب عددًا من الفحوص، أهمها:

تخطيط القلب الكهربائي (ECG):
للكشف عن اضطرابات نظم القلب أو بعض العلامات التي قد تشير إلى إجهاد القلب.

تحاليل الدم:
وقد تشمل قياس مؤشرات مثل BNP أو NT-proBNP التي ترتفع عند وجود إجهاد أو قصور في القلب، إلى جانب فحوص تساعد على استبعاد أسباب أخرى للأعراض، مثل فقر الدم واضطرابات الغدة الدرقية.

تخطيط صدى القلب «الإيكو»:
وهو الفحص الأساسي لتقييم قوة عضلة القلب وحجم الحجرات ووظيفة الصمامات، كما يساعد في الكشف عن السوائل حول القلب وغيرها من التغيرات.

والإيكو فحص آمن يعتمد على الموجات الصوتية ولا يستخدم الأشعة.

وفي بعض الحالات، قد يحتاج الطبيب إلى فحوص إضافية، ومنها الرنين المغناطيسي للقلب، عندما لا يكون التشخيص واضحًا أو توجد حاجة إلى تقييم أكثر تفصيلًا.

كيف يُعالج؟

العلاج يختلف بحسب شدة الحالة، ومرحلة الحمل أو ما بعد الولادة، ووظيفة القلب، ووجود أمراض أخرى.

وقد يشمل:

مدرات البول:
لتخفيف احتباس السوائل والاحتقان عندما يكون ذلك مناسبًا.

أدوية تساعد القلب على العمل بكفاءة وتحمي عضلته:
وتختلف الأدوية المسموح بها أثناء الحمل عن تلك التي يمكن استخدامها بعد الولادة، ولذلك لا ينبغي للمرأة أن تبدأ أو توقف أي دواء من تلقاء نفسها.

مميعات الدم:
قد يحتاج إليها بعض المرضى، خصوصًا في حالات ضعف القلب الشديد أو وجود عوامل تزيد خطر تكوّن الجلطات، ويحدد الطبيب الحاجة إليها ونوعها ومدتها.

الحالات الشديدة:
قد تحتاج إلى دخول المستشفى أو العناية المركزة، وأحيانًا إلى أدوية داعمة للدورة الدموية أو أجهزة مؤقتة لمساندة القلب. أما زراعة القلب فهي خيار نادر جدًا، ولا يُلجأ إليها إلا في الحالات التي لا تستجيب للعلاجات الأخرى.

ماذا عن الولادة والرضاعة؟

طريقة الولادة يحددها فريق النساء والولادة والقلب بناءً على حالة الأم ووظيفة القلب والظروف التوليدية.

ولا تعني الإصابة تلقائيًا أن الولادة القيصرية هي الخيار الوحيد؛ ففي بعض الحالات المستقرة يمكن أن تكون الولادة الطبيعية ممكنة.

أما الرضاعة، فيمكن أن تكون ممكنة لدى كثير من النساء، لكن اختيار أدوية القلب يجب أن يراعي الرضاعة وحالة الأم، لذلك ينبغي مناقشة الأمر مع الطبيب قبل البدء أو الاستمرار في أي علاج.

هل يتعافى القلب؟

هذه من أكثر النقاط التي تحمل الأمل.

تستعيد نسبة معتبرة من النساء وظيفة القلب بصورة طبيعية أو قريبة من الطبيعية، لكن معدلات التعافي تختلف بين الدراسات وبين الحالات، وتتأثر بدرجة ضعف القلب عند التشخيص وسرعة بدء العلاج.

ويحدث جزء كبير من التحسن خلال الأشهر الأولى، لكنه قد يستمر لفترة أطول لدى بعض النساء.

وقد تتعافى بعض النساء بصورة جزئية وتبقى لديهن درجة من ضعف عضلة القلب تحتاج إلى متابعة طويلة الأمد.

ولهذا، حتى إذا تحسنت وظيفة القلب، لا ينبغي إيقاف العلاج أو المتابعة من تلقاء النفس. فالقرار يعتمد على تقييم طبيب القلب، وقد تحتاج المرأة إلى متابعة دورية وفحوص إيكو للتأكد من استمرار التحسن.

هل يمكن أن تحمل المرأة مرة أخرى؟

هذا من أصعب الأسئلة التي تواجه المرأة بعد الإصابة، ولا توجد إجابة واحدة تناسب الجميع.

إذا بقيت وظيفة القلب منخفضة، خصوصًا إذا لم تستعد العضلة قوتها بصورة كافية، فإن الحمل التالي قد يحمل خطرًا مرتفعًا لتدهور القلب، وقد يكون الحمل غير آمن في بعض الحالات.

أما إذا استعادت عضلة القلب وظيفتها، فقد تتمكن كثير من النساء من الحمل والولادة، لكن الخطر لا يصبح صفرًا؛ إذ يمكن أن يعود ضعف القلب لدى بعض النساء حتى بعد تحسن الوظيفة.

لذلك يجب أن يكون قرار الحمل التالي قرارًا طبيًا مشتركًا، ويُفضّل أن يتم قبل الحمل من خلال تقييم طبيب القلب، وإجراء إيكو حديث، ومراجعة الأدوية التي تتناولها المرأة، ووضع خطة متابعة مشتركة مع طبيب النساء والولادة.

ويجب الانتباه إلى أن بعض أدوية القلب لا تناسب الحمل، لذلك ينبغي التخطيط للحمل وعدم إيقاف الدواء أو تغييره دون إشراف طبي.

ماذا ينبغي أن تعرف المرأة وأسرتها؟

– لا تنسبي كل ضيق نفس بعد الولادة إلى الإرهاق. إذا كان شديدًا أو متزايدًا أو يمنعك من الاستلقاء والنوم، فاطلبي تقييمًا طبيًا.
– أخبري طبيبك بكل الأعراض التي تشعرين بها، حتى في زيارة ما بعد الولادة.
– انتبهي إلى التورم والزيادة السريعة في الوزن، خصوصًا إذا صاحبهما ضيق نفس.
– التزمي بالأدوية والمواعيد الطبية، ولا توقفي علاج القلب لمجرد شعورك بالتحسن.
– – لا تتناولي مسكنات أو أدوية جديدة بصورة منتظمة دون استشارة الطبيب، خاصة إذا كنتِ تعانين من ضعف في القلب أو كنتِ حاملًا أو مرضعة.- اهتمي بصحتك النفسية؛ فالقلق والحزن قد يرافقان المرض وفترة ما بعد الولادة، وطلب الدعم من الأسرة أو المختصين ليس ضعفًا.- إلى الأسرة: خذوا شكوى الأم بجدية، وساعدوها في رعاية المولود وتوفير الراحة اللازمة، لأن التعافي يحتاج إلى تعاون الأسرة وليس إلى قوة الأم وحدها.

قلبٌ تعب في أصعب أسابيع الأمومة لا يعني أن الحكاية انتهت.

الانتباه المبكر، والتشخيص الصحيح، والعلاج المنتظم، والمتابعة المستمرة، يمكن أن تمنح كثيرًا من الأمهات فرصة حقيقية لاستعادة وظيفة القلب ومواصلة حياتهن مع أطفالهن.

تنبيه: هذه المادة للتوعية العامة ولا تغني عن التشخيص أو المتابعة الطبية. القصة الواردة في بدايتها متخيّلة، وأي أعراض مشابهة تستوجب تقييمًا طبيًا، خصوصًا عند وجود ضيق نفس شديد أو ألم في الصدر أو إغماء أو تدهور مفاجئ. لا تُعدّل الأدوية ولا تتخذي قرارًا بشأن الحمل أو الرضاعة دون استشارة الطبيب.

د. الفاضل بلال
استشاري أمراض القلب والإيكو

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى