اعلانك هنا يعني الانتشار

أعلن معنا
الأخبارالأخبار العالميةالأخبار المحليةالمجتمعتقاريرتقريب وجهات النظر

الخرطوم في قلب الحراك الدبلوماسي

ربع حركات دبلوماسية في أيام قليلة.. هل تتحول كثافة الوفود إلى بوابة للسلام في السودان؟ نادو

الخرطوم في قلب الحراك الدبلوماسي
أربع حركات دبلوماسية في أيام قليلة.. هل تتحول كثافة الوفود إلى بوابة للسلام في السودان؟

نادو نيوز ؛ تقرير تحليلي

لم تكن الخرطوم خلال سبتمبر 2026 مجرد محطة أخرى في أجندة الدبلوماسية الدولية بشأن السودان؛ فخلال أيام قليلة انتقل عدد من أهم الفاعلين الدوليين والإقليميين إلى العاصمة، في مشهد يكشف أن الأزمة السودانية دخلت مرحلة جديدة من الحراك السياسي، تتقاطع فيها جهود الأمم المتحدة مع الاتحاد الأفريقي و«إيغاد» والاتحاد الأوروبي والجامعة العربية، إلى جانب تحركات ثنائية لدول غربية وإقليمية.
لكن أهمية هذا الحراك لا تكمن في عدد الوفود التي دخلت الخرطوم بقدر ما تكمن في تزامن مسارات كانت تتحرك في السابق بدرجات متفاوتة من الانفصال.
فمبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان بيكا هافيستو وصل إلى الخرطوم في 4 سبتمبر، وركزت مهمته على خفض التصعيد وحماية المدنيين ودفع عملية سياسية شاملة، ثم انضمت إليه الآلية الخماسية في زيارة استمرت من 8 إلى 10 سبتمبر، قبل أن تتواصل الاتصالات الدولية والإقليمية بشأن المسار السياسي.
وهذا التزامن يطرح سؤالاً أكبر من مجرد: لماذا جاءت كل هذه الوفود إلى الخرطوم؟
السؤال الأهم هو:
هل بدأ الوسطاء الدوليون والإقليميون أخيراً في بناء مسار أكثر تنسيقاً لإنهاء الحرب، أم أن السودان يدخل دورة جديدة من المبادرات والبيانات من دون قدرة فعلية على وقف القتال؟
من تعدد الوسطاء إلى محاولة بناء «هندسة» واحدة للسلام
طوال سنوات الحرب، لم يعانِ السودان من غياب المبادرات السياسية بقدر ما عانى من تعددها وتباين الجهات التي تقودها وأولوياتها.
الآن تظهر محاولة مختلفة نسبياً.
فالآلية الخماسية التي تضم الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وإيغاد والاتحاد الأوروبي والجامعة العربية أعلنت أن مهمتها في الخرطوم هي إجراء مشاورات سياسية مباشرة مع الأطراف السودانية، والاستماع إلى تقييماتها، ودفع مسار سياسي شامل يقود إلى حكومة مدنية بقيادة سودانية. كما أكدت استمرار التنسيق مع «الرباعية» التي تضم الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات.
وهذه النقطة بالذات تستحق الانتباه.
فالمجتمع الدولي لا يحاول فقط إنتاج مبادرة جديدة، بل يبدو أنه يحاول ربط المبادرات القائمة داخل بنية دبلوماسية أكثر تنسيقاً.
وقد قالت «إيغاد» صراحة في بيان وزاري صدر في 15 سبتمبر إن تجزؤ جهود الوساطة لا يمكن أن يحل محل عملية سلام منسقة، ودعت إلى تنسيق الدبلوماسية مع جهود «الخماسية» والشركاء الرئيسيين.
وهذا ربما يكون أحد أهم التطورات السياسية في الملف السوداني خلال الفترة الأخيرة.
هافيستو.. المسار الأممي يبدأ من المدنيين قبل التسوية السياسية
زيارة المبعوث الأممي بيكا هافيستو حملت رسالة مختلفة في طبيعتها عن مجرد البحث عن تسوية سياسية شاملة.
فالأمم المتحدة قالت إن مهمته ركزت على إجراءات عملية لخفض العنف وحماية المدنيين، إلى جانب الدفع نحو عملية سياسية شاملة، كما بحث مع الأطراف قضايا إنسانية وإجراءات يمكن أن تسهم في تقليل التصعيد.
وهذا يعني أن المسار الأممي يحاول العمل على مستويين متوازيين:
الأول: تقليل كلفة الحرب على المدنيين.
والثاني: خلق ظروف تسمح بعملية سياسية قابلة للحياة.
وهنا تكمن إحدى الحقائق الصعبة في الحالة السودانية: لا يمكن بناء عملية سياسية مستقرة فوق تصعيد عسكري مفتوح، وفي الوقت نفسه يصعب الوصول إلى وقف شامل ومستدام للقتال من دون وجود أفق سياسي مقنع للأطراف والمجتمع السوداني.
ولهذا تبدو معادلة السلام في السودان أقرب إلى دائرة مترابطة:
خفض التصعيد → حماية المدنيين → بناء الثقة → فتح المسار السياسي → التوصل إلى ترتيبات لوقف الحرب → الانتقال إلى التسوية السياسية.
ماذا فعلت الخرطوم مع هذا الحراك؟
التعامل السوداني مع الوفود لم يكن رفضاً للحراك الدولي، بل اتجه إلى استقباله والتفاعل معه، مع التشديد على السيادة والملكية السودانية للعملية السياسية.
فالحكومة السودانية استقبلت وفد الآلية الخماسية، والتقى الوفد رئيس مجلس السيادة ورئيس الوزراء ومسؤولين حكوميين، كما عقد لقاءات مع أطراف سياسية ومدنية. وأكدت الخماسية بعد انتهاء الزيارة التزامها بعملية سياسية «ذات مصداقية وشاملة بقيادة وملكية سودانية».
وفي الوقت ذاته، فإن الموقف السوداني يضع شرطاً سياسياً مهماً أمام أي وساطة خارجية:
المساعدة الدولية مطلوبة، لكن صناعة القرار السياسي ينبغي ألا تنتقل إلى الخارج.
وهذا الموقف يتقاطع جزئياً مع الخطاب نفسه الذي تتبناه «إيغاد» والخماسية، إذ تستخدم هذه الجهات باستمرار تعبير Sudanese-led and Sudanese-owned، أي عملية يقودها السودانيون ويمتلكونها.
لكن التحدي هنا ليس في الاتفاق على العبارة، وإنما في تعريف من هم السودانيون الذين يملكون العملية السياسية؟
من يمثل السودان على طاولة الحوار؟
هذه هي العقدة الأصعب.
فالحديث عن «حوار سوداني ـ سوداني» يبدو بسيطاً في صياغته، لكنه شديد التعقيد في التطبيق.
هل يشمل الأحزاب السياسية؟
هل يشمل القوى المدنية الجديدة؟
هل يشمل لجان المقاومة والمجتمع المدني؟
ماذا عن الحركات المسلحة؟
وماذا عن القوى التي ترتبط بأحد طرفي الحرب؟
وهل ينبغي أن يكون طرفا الحرب جزءاً من كل مراحل الحوار، أم أن هناك فرقاً بين التفاوض على وقف إطلاق النار وبين الحوار حول شكل الدولة ومستقبل الانتقال السياسي؟
هذه الأسئلة ليست تفصيلات إجرائية؛ بل يمكن أن تحدد ما إذا كان الحوار سيصبح منصة لبناء توافق وطني أم ساحة جديدة للصراع السياسي.
وقد ظهرت بالفعل اختلافات بين القوى السودانية حول مبادرات الحوار الحالية، فيما تسعى اللجنة التحضيرية للحوار إلى توسيع المشاورات لتشمل قوى داخل السودان وخارجه. وتؤكد «الخماسية» من جهتها أن المشاركة الواسعة عنصر أساسي لبناء الثقة والشرعية لعملية سياسية ذات مصداقية.
«إيغاد» تعود إلى الخرطوم.. لماذا يمثل ذلك تطوراً مهماً؟
إعادة «إيغاد» حضورها الميداني في الخرطوم ليست مجرد مسألة بروتوكولية.
فالمنظمة أعادت فتح بعثتها في الخرطوم في يوليو بعد استئناف السودان مشاركته الكاملة فيها، وقالت إن وجودها الميداني يهدف إلى تعزيز الحوار والشراكة والتنسيق مع الحكومة والمجتمع السوداني والشركاء الإقليميين والدوليين.
وتزداد أهمية هذا التطور لأن «إيغاد» ليست وسيطاً بعيداً عن جغرافيا الأزمة.
السودان جزء من منظومة القرن الأفريقي، والحرب السودانية تؤثر مباشرة في دول الجوار، سواء عبر حركة اللاجئين أو الحدود أو التجارة أو الأمن الإقليمي.
وبالتالي فإن السلام في السودان ليس شأناً سودانياً محضاً من منظور الأمن الإقليمي، حتى وإن ظل حق تقرير مستقبل السودان السياسي للسودانيين.
لماذا الآن؟
يصعب فصل هذا الحراك عن ثلاثة تطورات متزامنة.
أولاً: استمرار الحرب رغم مرور أكثر من ثلاث سنوات.
ثانياً: ارتفاع الكلفة الإنسانية والاقتصادية للصراع.
ثالثاً: ظهور قناعة دولية متزايدة بأن استمرار تعدد المسارات من دون تنسيق لا ينتج اختراقاً سياسياً.
وقد وصفت الممثلة الخاصة للاتحاد الأوروبي للقرن الأفريقي آنيت ويبر، في إحاطة أمام مجلس الأمن في 14 سبتمبر، المشهد بأنه يجمع بين استمرار منطق الحرب وتصاعد استخدام المسيّرات وتزايد التشظي، لكنها أشارت في الوقت ذاته إلى زيادة التعبئة السياسية السودانية ووجود قدر أكبر من التقارب الدولي، مع عمل «الرباعية» و«الخماسية» بصورة متوازية.
هذه النقطة مهمة جداً.
فالدبلوماسية لا تتحرك لأن الحرب انتهت، بل لأن كلفة استمرار الحرب أصبحت جزءاً من الحسابات السياسية الدولية والإقليمية.
السلام لا يبدأ من قاعات الفنادق فقط
أحد الدروس التي تقدمها تجارب النزاعات الطويلة هو أن المفاوضات السياسية لا تكفي وحدها.
فإذا بقيت الحرب مستمرة على الأرض، وظل المدنيون يدفعون الثمن، وظلت الأطراف قادرة على إعادة إنتاج القوة العسكرية، فإن أي اتفاق سياسي سيظل معرضاً للاهتزاز.
لهذا فإن حماية المدنيين ليست ملفاً إنسانياً منفصلاً عن السلام.
إنها جزء من صناعة السلام نفسها.
وعندما تطالب الأمم المتحدة بخفض العنف وحماية المدنيين بالتزامن مع العملية السياسية، فهي تربط بين الشرطين بدلاً من التعامل معهما كمسارين منفصلين.
أين تكمن حدود هذا الزخم؟
رغم أهمية الزيارات، لا ينبغي تفسير كثافتها باعتبارها دليلاً تلقائياً على قرب توقيع اتفاق سلام.
فحتى الآن، ما تؤكده المصادر هو زيادة الاتصالات والتنسيق والمشاورات، وليس التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن وقف الحرب أو شكل التسوية السياسية.
وهذا فارق جوهري.
فالزيارة الدبلوماسية قد تفتح قناة اتصال.
والتشاور قد يقلل سوء الفهم.
والتنسيق الدولي قد يمنع تضارب المبادرات.
لكن تحويل ذلك كله إلى سلام يحتاج إلى قرار سياسي من الأطراف السودانية نفسها، وإلى ترتيبات قابلة للتنفيذ، وآليات لمراقبة وقف إطلاق النار، وضمانات لحماية المدنيين، ومسار سياسي لا يشعر معه أي مكوّن رئيسي بأنه أُقصي من مستقبل البلاد.
الخطر: أن يتحول «الحوار» إلى ساحة جديدة للاستقطاب
هناك خطر آخر لا يقل أهمية عن الحرب نفسها بالنسبة للعملية السياسية.
إذا تحول الحوار إلى منافسة بين القوى السياسية حول من يمتلك الشرعية، فقد يصبح الحوار جزءاً من الأزمة بدلاً من أن يكون أداة لحلها.
ولهذا فإن معيار نجاح العملية المقبلة لن يكون عدد المشاركين فقط، وإنما قدرتها على إنتاج قواعد متفق عليها لإدارة الاختلاف السياسي، وتحديد العلاقة بين الدولة والقوات المسلحة، ووضع ترتيبات انتقالية مقبولة، وفتح الطريق أمام مؤسسات مدنية شرعية.
وهذه ملفات أكبر من مجرد جمع القوى حول طاولة واحدة.
ماذا يعني تفاعل الدولة السودانية؟
من خلال استقبال الوفود والمشاركة في المشاورات، يبدو أن الخرطوم تتعامل مع الحراك الدولي باعتباره فرصة لإيصال رؤيتها ومواقفها، مع التمسك بمبدأ الملكية السودانية للعملية السياسية.
لكن نجاح هذا التفاعل سيتوقف على قدرة الحكومة السودانية على الانتقال من التواصل الدبلوماسي إلى طرح أجندة سياسية قابلة للنقاش والتفاوض.
فالاستماع إلى المجتمع الدولي مهم، لكن الأهم أن تكون هناك رؤية سودانية واضحة بشأن:
وقف إطلاق النار.
حماية المدنيين.
وصول المساعدات الإنسانية.
مستقبل المؤسسات العسكرية والأمنية.
شكل الحكم الانتقالي.
مشاركة القوى المدنية.
الانتخابات.
العدالة والمساءلة.
إعادة الإعمار.
كلما كانت هذه الرؤية أكثر وضوحاً، أصبح التفاعل مع الوسطاء أكثر إنتاجية.
الاختبار الحقيقي: هل تتوحد المسارات؟
ربما يكون التطور الأكثر أهمية في الحراك الحالي هو محاولة جمع خيوط متعددة داخل إطار أكثر تنسيقاً.
فالخماسية تعمل على المسار السياسي، والأمم المتحدة تضغط باتجاه خفض التصعيد وحماية المدنيين، و«إيغاد» تتحرك من موقعها الإقليمي، والاتحاد الأوروبي حاضر في بنية الوساطة، بينما تستمر «الرباعية» في مسارها، إلى جانب المبادرات السودانية الداخلية.
هذه الكثافة يمكن أن تكون ميزة إذا أنتجت تنسيقاً.
وقد تصبح عبئاً إذا أعادت إنتاج تعدد الوسطاء وتضارب الأولويات.
وهنا تأتي أهمية ما قالته «إيغاد» في 15 سبتمبر: لا يمكن للوساطات المجزأة أن تحل محل عملية سلام منسقة.
السودان أمام فرصة.. ولكنها ليست ضمانة
المشهد الدبلوماسي الحالي يقدم للسودان فرصة نادرة: وجود درجة أكبر من التقارب بين عدد من الفاعلين الدوليين والإقليميين حول ضرورة الوصول إلى عملية سياسية سودانية شاملة.
لكن الفرصة لا تتحول تلقائياً إلى سلام.
فالمجتمع الدولي يستطيع أن يضغط، ويتوسط، ويدعم، ويقدم الضمانات، وينسق المبادرات؛ لكنه لا يستطيع وحده أن يصنع توافقاً سودانياً.
وهنا تكمن الحقيقة الأصعب:
السلام في السودان يحتاج إلى توافق دولي داعم، لكنه يحتاج قبل ذلك إلى إرادة سودانية قادرة على تحويل الحرب من معادلة عسكرية إلى معادلة سياسية.
الخلاصة: من «زخم الوفود» إلى «اختبار الأفعال»
الخرطوم شهدت خلال سبتمبر واحدة من أكثر موجات الحراك الدبلوماسي كثافة منذ فترة، لكن قيمة هذا الحراك لن تقاس بعدد الوفود التي وصلت إلى العاصمة، ولا بعدد الاجتماعات التي عقدت.
ستقاس بثلاثة أسئلة:
هل سينجح الوسطاء في تنسيق مساراتهم؟
هل ستتمكن القوى السودانية من الاتفاق على إطار سياسي واسع لا يقوم على الإقصاء؟
وهل تستطيع الأطراف المتحاربة تحويل الضغط الدبلوماسي إلى خطوات ملموسة لخفض القتال وحماية المدنيين؟
إذا كانت الإجابة نعم، فقد تكون زيارات سبتمبر بداية انتقال من دبلوماسية إدارة الأزمة إلى دبلوماسية صناعة التسوية.
أما إذا بقيت الزيارات في إطار البيانات والمشاورات من دون إجراءات قابلة للقياس، فإنها ستضاف إلى سجل طويل من المبادرات التي أحاطت بالحرب من الخارج بينما ظلت جذورها السياسية والعسكرية قائمة في الداخل.
وفي النهاية، لا يحتاج السودان إلى وسيط جديد بقدر ما يحتاج إلى مسار موحد، وإرادة سياسية، وضمانات تنفيذ، ومشاركة سودانية واسعة، ووقف فعلي للنزيف الذي يدفع المدنيون ثمنه كل يوم.
فالسلام لا يبدأ عندما يكثر الزائرون إلى الخرطوم؛
بل عندما تتحول الزيارات إلى قرارات، والقرارات إلى التزامات، والالتزامات إلى واقع يلمسه السودانيون في حياتهم اليومية.
نادو نيوز | قسم التحقيقات والتحليل السياسي
17 سبتمبر 2026.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى